فهرس الكتاب

الصفحة 16382 من 20085

كلمة شهريّة للشّيخ الدّكتور محمّد علي فركوس:"مسلك النّصيحة وقيود الالتزام التّربوي".

ـ [محمد عبد العزيز الجزائري] ــــــــ [29 - Jan-2010, مساء 12:27] ـ

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يخفى عظمُ شأنِ النصيحةِ، فهي أساسُ الدِّينِ وعمادُه، والدينُ كما يقعُ على القولِ يقعُ على العملِ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم سمَّى النصيحةَ دِينًا، لكونها قِوَامَهُ، إذ تَشْمَل الإسلامَ والإيمانَ والإحسانَ، وكلُّها من الدِّينِ كما ثبتَ في حديثِ جبريلَ عليه السلامُ قولُه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَيُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهمْ» (1) ، لذلك كان على حديث: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ، قلنا: «لمن؟» ، قال: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (2) مدارُ الإسلام، فقد جمعَ الشريعةَ أصلًا وفرعًا وعملًا واعتقادًا.

والنصيحةُ من حيث ذاتُها فرضُ كفاية -في الجملة- يُجْزَى فيه من قام به ويسقط عن الآخرين، غير أنَّ النصح في الإسلام ينبغي أن يكون محتواه لصيقًا بالعلم بالحقِّ ومصطبغًا بالعدلِ، سواء كان مضمونُ النصيحةِ واجبًا أو مندوبًا أو دائرًا في جوازهِ بين الندبِ والأحرويةِ. هذا، وبغضِّ النظرِ عن مذهب الناصح وتوَجُّهِه العقدِي فلا يُعَدُّ من قبيلِ النصيحةِ -أصلًا- تلكَ المضامينُ المفرغةُ من العلم أو ما ينافي شرعَ الإسلام ومبادئَه وأحكامَه؛ أو كانت عُشًّا للباطلِ؛ أو حملت حُكمًا مردودًا بالنصوصِ الشرعية أو معارضًا بإجماعِ الأمَّة أو بالقياس الجلي؛ أو أظهرت تلك المضامينُ حكمًا منسوخًا أو مرجوحًا ونحو ذلك.

فصار -والحالُ هذِه- واضحًا لكلِّ ذي لبٍّ أن قَبُولَ النصيحةِ والعملَ بمقتضاها يختلفُ باختلافِ حكمِ محتواها ومضمونها، ولا يجحدُ هذِه الحقيقةَ إلاَّ مُسْتَعْلٍ مغمورٌ قلبُه بالجهلِ أو بالحقدِ والحسدِ.

ومن تفاريعِ النصيحةِ التي أريدُ أن أُركِّز عليها هي: القالبُ الأدبي الذي ينبغي أن تُؤَدَّى فيه النصيحة، فإنَّ الناصح ينبغي أن يعملَ على إيصال نصيحته لأخيه المسلمِ بألينِ الطُّرُقِ وأرقِّ الأساليبِ وأرفقِ العباراتِ، بعدَ التأكُّدِ من صحةِ التوجيهِ وصوابِ الإرشادِ، دونَ أيِّ تفريطٍ في مضمونِ النصيحةِ. وذلك لأنَّ مرارةَ العلاجِ بالنصيحةِ ينبغي أن يصحبَه شيءٌ من رطبِ الكلامِ وحلوه ليكونَ أدعى لقبولها، والإحساسِ بصدقِ التعاونِ والإخلاصِ؛ ويكونَ المنصوحُ شاكرًا لعلاجِ الناصحِ وحسنِ تعاونه، ويسعف هذا المعنى قولُ يحيى بنِ معاذٍ: «أحسنُ شيءٍ كلامٌ صحيحٌ، من لسانِ رجلٍ فصيحٍ، في وجهِ رجلٍ صبيحٍ، كلامٌ رقيق، يُسْتَخْرَجُ من بحرٍ عميقٍ، على لسانِ رجلٍ رفيقٍ» (3) ، يراعي صاحبُ النصيحةِ وعظَ أخيهِ سرًّا دونَ تشهيرٍ أو توبيخٍ أو استهانةٍ، بل يجسّد نصيحتَه في سدِّ الخللِ ودفْعِ الضرر وسترِ العورات وتركِ الفحشِ والحسدِ والخداعِ، وتوقيرِ الكبيرِ ورحمةِ الصغيرِ ونحو ذلك.

وفي معرض التوجيه لمعنى النصيحة لأئمة المسلمين سواء كانوا حُكَّامًا أو من ينوبُ عنهم، أو علماءَ ومصلحين يقول أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله-: «والنصيحة لأئمة المسلمين أي لخلفائهم وقادتهم: معاونتُهم على الحقِّ وطاعتُهم فيه، وتنبيهُهم وتذكيرُهم في رفقٍ ولطفٍ، ومجانبةُ الخروج عليهم، والدعاءُ لهم بالتوفيق وحثُّ الأغيار على ذلك، والنصيحةُ لعامَّة المسلمين -وهم هاهنا من عدا أولي الأمر منهم-: إرشادُهم إلى مصالحهم، وتعليمُهم أمورَ دينهم ودنياهم، وسترُ عوراتهم وسدُّ خلاَّتِهم ونصرتُهم على أعدائهم، والذبُّ عنهم، ومجانبةُ الغش والحسدِ لهم، وأن يحبَّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكرَه لهم ما يكره لنفسهِ، وما شابه ذلك» (4) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت