ـ [أبو عبد الله عادل السلفي] ــــــــ [15 - Oct-2009, صباحًا 06:42] ـ
أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة
للعلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (رحمه الله)
الحرية والمساواة في الشريعة الإسلامية
وهو مقام يستدعى شيئًا من الإطالة؛ ليكون الحكم فيه على شيء مضبوط، فلا يظن أحد أن الإسلام دعا إلى الحرية والمساواة على الإطلاق أو على الإجمال؛ لأن هنالك حدودًا دقيقة بعضها محمود وبعضها ضارٌّ مذموم.
الحرية:
لا تجد لفظًا تهواه النفوس، وتهش لسماعه، وتستزيد من الحديث فيه -مع أن معظمهم لا يضبط مقدار المراد منه- مثلَ لفظِ الحرية.
وما سبب ذلك التعلق العام إلا أن معظم من يسمعون هذا اللفظ، أو ينطقون به يحملونه على محامل يخف محملها في نفوسهم.
فالوقح يحسب الوقاحة حرية، فيخف عنده ما ينكره الناس من وقاحته، والجريء الفاتك ينمي صنيعه إليها، فيجد من ذلك مبررًا لجرأته، ومحب الثورة يعد الحرية مسوغًا لدعوته، والمَفْتون في اعتقاده يدافع الناقمين عليه بأنه حر العقيدة إلى غير هؤلاء.
فيا لله لهذا المعنى الحسن ماذا لقي من المحن، وماذا عُدِل به عن خير سنن؟
والتحقيق أن الحرية إنما يُعنى بها السلامةُ من الاستسلام إلى الغير بقدر ما تسمح به الشريعة والأخلاق الفاضلة.
ولقد أصاب الذين اختاروا للتعبير عن هذا المعنى في العربية لفظ الحرية؛ لأن الحرية في كلام العرب ضد الرق، وقد شاع عند العرب أن يلصقوا مَذامَّ الصفات النفسانية بالرق؛ إذ قد عرى العبيد عندهم عن الاهتمام باكتساب الفضائل، وزهدوا في خصال الكمال، قال ابن زيابة:
إنك يا عمر وَتَرْكَ الندى ... كالعبد إذ قَيَّدَ جمالَه [2]
ولما استصرخ شداد العبسي ابنه عنترة؛ ليرد غارات عدوهم -وكان عنترة ابن أمة كما هو مشهور، وكان أبوه يأبى أن يعده في عداد بنيه بل جعله عبدًا له على عادة أهل الجاهلية- أجابه عنترة بقوله:"العبد لا يحسن الكر وإنما يحسن الحلاب والصر" [3] .
فقال له شداد"كر وأنت حر".
وبضد ذلك جعلوا الفضائل من سمات الأحرار قال جعفر بن علبة الحارثي:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
وقال الراجز الجاهلي:
لن يُسْلِمَ ابنُ حرةٍ زَميلَه ... حتى يموت أو يرى سبيله
وقال مخيس بن أرطاة التميمي:
فقلت له تجنب كل شيء ... يعاب عليك إن الحرَّ حرُّ
قال المبرد:"يعني أن الحر على الأخلاق التي عهدت في الأحرار وكما كنت تعهد". ا. هـ يعني وأنت حر فلا تخالف خلق الأحرار.
حتى لقد احتاج بعض أصحاب الأخلاق الحميدة من عبيدهم إلى إعلان الاختلاف بين حال عبودية شخصه، وكرم نفسه كما قال حية النوبي الملقب بـ: سحيم عبد بني الحسحاس:
إن كنت عبدًا فنفسي حرة كرمًا ... أو أسود اللون أني أبيض الخلق
دعوة الإسلام إلى الحرية:
الحرية وصف فطري في البشر؛ فإننا نرى المولود ييفع حرًَّا لا يعرف للتقييد شبحًا.
وإذ قد كان الإسلام دين الفطرة كما وصفه الله -تعالى- بقوله: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الروم:30
فكل ما هو من أصل الفطرة فهو من شعب الإسلام ما لم يمنعه مانع.
ويزيد إعرابًا عن كون الحرية من أصول الإسلام قوله -تعالى- في وصف محمد -صلى الله عليه وسلم- ووصف أتباعه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) الأعراف: 157.
فالإصر: هو التكاليف الشاقة، والأغلال: غير الإصر؛ فهي مستعارة للعبودية التي كانوا عليها في الجاهلية وهي عبودية الأصنام وسدنتها، وعبودية الملوك، وعبودية القادة أصحاب المرابيع [4] .
ومما يزيد هذا بيانًا قول عمر لعمرو بن العاص في قصة ولده الآتية:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".
(يُتْبَعُ)