فهرس الكتاب

الصفحة 15387 من 20085

طرأت على الحرية الفطرية وسائل الضغط من القوة والتسلط، فَسَخَّرت الضعيفَ للقوي، والبسيطَ للمحتال وزادت هذا التسخير تمكنًا التعاليمُ المضللةُ وهي أساطير الوثنية، والشرك، والكهانة، فجاء محمد -صلى الله عليه وسلم- يضع عنها الأغلال إلى الحد الذي تصير به نفعًا ورحمةً قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(107 ) ) الأنبياء:107

لا تتحقق حرية تامة في نظام البشر؛ لأن تمام الحرية هو الانخلاع عن جميع القيود، وعن كل مراعاة للغير بأن يعيش المرء عيشة الوحوش، وذلك غير مستطاع إلا فيما تخيَّله الشنفري إذ يقول:

ولي دونكم أهلون سِيْدٌ عَمَلَّسٌ ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل [5]

هم الأهلُ لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما دان ii يعزل

فأما والإنسان مدني بطبع خلقته، محتاج إلى الاتصال ببني نوعه؛ لأنه ضعيف محتاج في قوام أمره إلى التعاون - فالحرية المطلقة تنافي مدنيته؛ فتعين أن الحرية المحمودة التي يدعو إليها الإسلام والحكماء هي حرية مقيدة لا محالة.

فلننظر إلى القيود التي دخلت على الحرية في تاريخ الحضارة، فان كانت تحصل منها فائدة للمقيد بها في خاصته أو في حالته الاجتماعية العامة فهي المعبَّر عنها بالشرائع والقوانين، ودخولها على الحرية مقصود منه تعديلها؛ لتكون نافعة غير ضارة.

وإن كانت تلك القيود في فائدة غير المقيد بها لاستغلال حقوق المقيد بها فهي الاستعباد الذي قصد منه، أو آل إلى إفساد الحرية.

مظاهر الحرية:

تتعلق الحرية بالاعتقاد، والقول، والعمل.

فأما حرية الاعتقاد فقد أسس الإسلام حرية العقيدة بإبطال العقائد الضالة المخالفة لما في نفس الأمر؛ فان محور تلك العقائد هو إرغام الناس على أن يعتقدوا مالا قبل له بجولان الفكر فيه، أو ما يموه بتخيلات، وتكليف اعتقاد مالا يفهم ينافي الحرية.

فبَيَّن الإسلامُ الاعتقادَ الحقَّ، ونصبَ الأدلةَ عليه وعلى تفريعه، ودعا الناس إلى الاستنتاج من تلك الأدلة قال -تعالى-: (قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) يونس:101.

وقد اختلف الصحابة، وحدث الخلاف في عهدهم ومن بعدهم في مسائل كثيرة كمسألة الإمامة، ومسألة القدر، ومسألة التكفير بالذنب، فلم تكن طائفة ترغم غيرها إلا إذا خرج المخالف عن حد المناظرة إلى المغالبة والإرهاق.

وانقسم المسلمون إلى طوائف مختلفة الاعتقاد من آخذين بما ورد في السنة دون تأويل، وآخذين بذلك مع التأويل، ومن خوارج، وقدرية، وجبرية، ومرجئة، ومعتزلة، وظاهرية، وصوفية؛ فلم يكن أهل حكومة الإسلام يجبرون الناس على اتباع معتقدهم، بل كان الفصل بينهم قائمًا على صحة الحجة، وحسن المناظرة إلى أن ظهرت في القرن الثالث مسألة خلق القرآن، وإثبات الكلام النفسي القديم التي أيقظت عين الفتنة، وابتلي فيها أهل السنة ببغداد ومصر، وظهرت بالقيروان مسألة الاستثناء في الإيمان، وهي قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله، ومسألة العندية في الإيمان وهي قول المؤمن أنا مؤمن عند الله، وتبعت ذلك فتن تبدو وتخفى، وتلتهب تارة ثم تطفى.

لم يسمح الإسلام بتجاوز حرية الاعتقاد حد المحافظة على دائرة الإيمان والإسلام المفسَّرَين في حديث جبريل الشهير؛ لأن ما تجاوز من حرية الاعتقاد يفضي إلى انحلال الجامعة الإسلامية فلا يكون محمودًا.

فالذي يعتقد عقيدة الإسلام ثم يخرج عنه فهو المرتد؛ فارتداده إما أن يكون مع إظهار الحرابة للإسلام وهذا النوع قد حدث زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- من نفر من عُكل وعُرينة فحكم فيهم رسول الله بحكم المحارب.

وأما بدون حرابة فقد ارتد نفر آخرون ثم تابوا فقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توبتهم.

ثم ارتدت قبائل من العرب بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإعلان الكفر، أو بجحد وجوب الزكاة، وقد أجمع الصحابة على وجوب قتالهم؛ فكان إجماعهم أصلًا في قتل المرتد مع الاعتضاد له بما رواه معاذ بن جبل وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"من بدل دينه فاقتلوه"، يعني الإسلام.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت