ـ [ابن الشجري] ــــــــ [11 - Mar-2008, مساء 01:31] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
في جنبات مكة وبين أوديتها السحيقة، أخذت الشمس تطل بأشعتها على رؤوس الجبال، وخرج الناس لقضاء حاجاتهم وتأدية أعمالهم في يوم رتيب كسائر أيامهم، فمنشغل بتقديس آلهته حول الكعبة، وآخر ربما سد جوعته ببعض أطراف إلهه المزبور من التمر، والبعض توجه لتسريح ماملكت يمينه من أرقاء يسوقهم سوقا لبيعهم في سوق النخاسة، وآخرون أقعدهم حب اللهو واللعب والمقامرة عن السعي في طلب الرزق كسائر القوم، وصنف منهم ربما لم يجد عملا يشغل به وقته ـ فالبطالة عهدها قديم قدم البشرية ـ فتراه مابين خمارة وباغية يبيع عقله لتزجية الوقت، ويغرق النفس في سبات عميق لكي لاتفيق فتدرك ماهي عليه من كبد الحياة وشقوتها، وآخرون أحسن حالا من هؤلاء إذ اشتغلوا بالطواف بالبيت العتيق، ولكن في رسوم مستغربة وثياب مستعارة يتفضل بها عليهم أهل مكة، ومن لم يستطع منهم الحصول على هذه الثياب فلا يسعه إلا أن يطوف عاريا تبدو منه سوأته.
ولا أدري هل كان بعضهم يستطيع اختلاس النظر لرؤية بعض الطائفين بالكعبة وهم عراة، وأظن هذا ماعن لبعض الطائفات حتى أنشدت بيتها المشهور في هذا الشأن.
ومن بين ماجريّات ذلك اليوم ومع ذلك الصباح التائه في مسارات الحياة، استيقظن نساء مكة ليقمن بدورهن في الحياة، من خدمة الزوج وإعلاف دابته و القيام على بيته والإصلاح من شأنه ... ، وقد كن نساء طيعات لأزواجهن، يعرفن قدره وقوامته فلا يسعهن إلا الانصياع والطاعة.
وكان من بين تلكم النساء أم حنون، ونساء مكة قد اشتهرت عنهن هذه الحنّية على الولد، والعطف عليه والاهتمام بشأنه، وكان من شأن هذه المرأة أن قد اقترب مخاضها، فقد كانت تحمل في أحشائها جنينا كان ينتظر بشغف شديد، ليفاخر والده به نظرائه من صناديد مكة، ومن تجمعه بهم محافلها وأنديتها، إذ كان التكاثر بالمال والبنين من شيم أولئك القوم.
مضت الأيام على ثقل والوالدان ينتظران هذا المولود، وما هو إلا أن اقترب المخاض وعلت زفرات الأم وصرخاتها، حتى أخذ الزوج بعتبة الدار قد امتقع لونه وهوى جالسا قبالة دارة، قابضا لحيته بشماله ناكثا الأرض بيمينه، يستشرف المبشِّر والبشارة، فإن كان المبشَّر به ابنًا فهو يوم سعده، وإن كانت بنتًا فقد أخذ بدرب من السلامة بالبقاء خارج الدار، ليلوذ بوجهه عن الناس من سؤ مابشّر به، ولما حانت ساعة الولادة وأذن الخالق في خروج المولود، وخرج المبشِّر ليبشره بأن المولود أنثى، لتتبدد معها أحلام الأب التي كانت تتملكه وتطيش بفكره في غياهب الفخر والمجد، ولم يقف الأمر عند هذا، بل بلغ به الغضب والصلف على زوجه مبلغه، وكأن تلك الزوجة هي التي قدرت بمشيئتها الخالصة مايكون في بطنها، وهو الله الذي يقدر مافي الأرحام قد شاء أن يكون ما تحمله في أحشائها بنتا.
خرجت المولودة لظهر هذه الحياة، لتستنشق عبيرها وتخط في صفحاتها من حياتها ابتسامة تملأ المكان، و ضحكات تسمع الزمان، وكان قد اضمر لها الأب مايعجز الإنسان عن تصوره، إلا أن كل يوم كانت تغيب شمسه، يجدد في قلب الأم لطفلتها حنّية ومحبة تذكي بذرة المحبة التي فطرها الله لكل مولود، فكأن الدنيا لم تعرف من البنات غير هذه البُنيّة، تقرأ في عينيها كل دمعة حزن في الوجود، وتتعرف من حمرة خديها على الورد الذي يوصف بالبهجة وإدخال السرور، وتشم من مفرق شعر رأسها كل ريح طيبة من خزامى نجد أو رياحين الحجاز.
كانت هذه الأم الحنون كلما حملت ابنتها لتمشط شعر رأسها وتعقد فيه ضفائره، تضعها بين يديها مستقبلة ظهرها، حتى لا تريها دموعها المنهمرة على خديها، فينبعث عندها سؤال الطفلة عن هذه الدموع التي تجهل سببها.
فكانت تبكي كلما حملتها وكلما وضعتها، كانت تبكي كلما أطعمتها أوكستها أو تبسمت بين يديها، كانت تبكي كلما رأتها تكبر أمام ناظريها، فكانت تبكي مع شمس كل يوم جديد لا تدري ماتغرب عليه شمس ذلك اليوم، ويشتد بكاؤها عند رؤيتها لابنتها وهي تلهو وتلعب ضاحكة لاهية غافلة.
(يُتْبَعُ)