فهرس الكتاب

الصفحة 5283 من 20085

وفي صبيحة يوم كادت تشرق شمسه من غير ضياء، أيقظت الأم ابنتها الصغيرة، وأخذتها لتغسل وجهها وتزيل مابه من أثر النوم، ثم انصرفت مهيأة الطعام لزوجها، ووضعته بين يديه، ودعت أبنتها الصغيرة كي تجلس إلى جوار والدها وتأكل معه، وعندما هم بمد يده للطعام، وأخذ لقمة ليضعها في فمه إذ به يطرحها، وكأنه تذكر أمرا كان يبيّته من ساعة بشر بمولوده، من إمساك على هون لهذه البنت أو دس في التراب، إلا أنه اختار لشقائه أن يدسها في التراب فساء ما حكم، وهو الآن يريد أن يخبر زوجه بهذه الفاجعة، فصوت مستنصتا مستصغيا، وتمتم بكلمات يسيرات، لكنها مع قصرها كانت كصفرة الموت قبل الموت، أو كريح المقابر ووحشتها، فكانت كالقدر المحتوم الذي لا يسعك أن تحيد عنه أو تفر منه، وأنت لا تملك صنع الأقدار أو أن تحيد عنها أو تبدل فيها أو تفر منها، لكنك تملك أن تتقبلها أو ترفضها وتسخطها.

عندها صاحت الأم صيحة داخل أعماقها، صيحة لم تسمعها أذنيها، إنما كانت صيحة تفت الكبد والفؤاد في الأعماق، فتصهره كما يصهر الرصاص، فهي تخشى أن تكدر على ابنتها إقبالها على الطعام، كما كانت ترجوا أن يكون هناك قدرا لم يدر في خلدها، قدرا تدفع به هذا القدر، كانت صيحة لو تنفست لفجّرت صخور مكة، ولأبكت معها كل من لايحسن البكاء، ولأطفأت بها كل نور يشع في الحياة، ولذبلت معها كل زهرة نظرة تتنسم ضوء النهار، بل كظمتها ونفثتها في أحشائها تمزق بها نياط قلبها وتفت رخيص عظمها , وأخذت تدر دمعا مدرارا يفطر القلوب، كأنما كل دمعة منه قد انتظم حبات روحها.

وأخذ فؤادها كأنما هو شمعة تنصهر ويحترق فتيلها فيتبدد معه كل ضياء، وماكان منها إلا أن التفتت إلى طفلتها الصغيرة المتربعة على مائدة الطعام، فأخذتها واحتضنتها وراحت تشمها في عنقها ورأسها، وتقبل عينيها وخديها ويديها وقدميها.

يا الله ... مالذي تمتم به هذا الظلوم لامرأته، وما شأن كل هذا الحزن القاتل، والكمد المميت، وكل هذه الدموع الحارة، ولم كل هذه القبل من الأم لطفلتها، أحبا أم رحمة أم هما معا، وما الداعي لها في هذا الوقت؟.

إنها تمتمة قل بيت في جنبات مكة إلا وسمع مثلها يوما ما، تمتمة لا أظن ظلوما يفري مثلها إلا وقد محيت كل سمة للرحمة من قلبه، لقد طلب من الأم أن تزين ابنتها لأن هذا هو يومها الموعود، هذا يومها الذي فيه سيمسح العار عن وجهه لإنجاب هذه البنية، فقبح من وجه وقبح حامله، هذا هو اليوم الذي سيدفن فيه ابنته حية كما خلقها الله، سيذهب لصنع قبرها بيديه، ويعود لحملها بين يديه، ويهيل عليها التراب بيديه، فيدفنها بيديه.

هكذا بكل يسر وسهوله ... ، لكن ما هو الجرم؟ ما هي الفاحشة؟ ما هي الخطيئة؟ ما هو السبب الذي استحقت به هذا العذاب، لا شئ لا شئ.

يا الله يا الله يا الله ... ماهذه القلوب الصلْدة؟ وما هذا القلب الذي يحمله هذا الأب؟ إنك لتنظر إلى السباع في الفلاة وهي ترفع أرجلها عن صغارها رحمة بها فتشهد بأن الخالق هو الله، وترى العقرب الكريهة ذي السم الزعاف وهي تحمل صغارها على ظهرها رحمة بها فتشهد بأن الخالق هو الله، وترى الجارحات من الطير وهي تجوب القفار للقمة تعود بها لأسغابها رحمة بها فتشهد بأن الخالق هو الله.

وتسمع حنين الناقة العشراء على سقبها رحمة فتشهد بأن الخالق هو الله، بهذه الرحمة حنت النّيب في نجد، وصوت الدوح في يمن، وأكلت الهرة صغارها.

فماهي هذه العادة الملعونة الممقوتة، أن يدفن الأب ابنته، أن يقتلها بدسها حية في التراب، أن يعلن انعدام الرحمة من قلبه ووأد لكل معان البشرية بل البهيمية، لا لشئ سوى جاهلية وضلال قد حشر قلبه، وعمت ظلمته الكون كله.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت