فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبو عبد الله عادل السلفي] ــــــــ [15 - Oct-2009, مساء 01:25] ـ
أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة2
للعلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
ومن حرية القول حرية العلم والتعليم، ومظهرها في الإسلام في حالين: الحال الأول: الأمر ببث العلم بقدر الاستطاعة؛ فقد أمرنا ببث القرآن وتعليمه، وببث الآثار النبوية؛ ففي الحديث الصحيح:"نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه إلى من ليس بفقيه".
وفي خطبة حجة الوداع:"ليبلغ الشاهد الغائب".
وقد أمر الخليفة الثالث بنسخ المصاحف وأرسل بها إلى أقطار الإسلام، وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما في الأسبوع لتعليم النساء، وأُسِّست المكاتب لتعليم الصبيان من عهد أبي بكر أو عمر، ثم قد وردت أحاديث في فضل العبيد والإماء.
ووراء هذا مرتبة أخرى في العلم والتعليم وهي مرتبة الاستنباط في العلم، فقد دعا الإسلام إليها، وأوجبها على من بلغ رتبة المقدرة عليها في الأحكام الشرعية وهي مرتبة الاجتهاد بمراتبه.
قال علماؤنا: إنها من مشمولات أمر الوجوب في قوله -تعالى-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن:16، وغيره من آيات القرآن.
وفي الحديث:"من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد".
وأَيَّةُ حريةٍ للعلم أوسع من هذه؛ إذ جعل الأجر على الخطأ؟
الحال الثاني: تخويل أهل العلم نشر آرائهم ومذاهبهم وتعليمها مع اختلافهم في وجوه العلم، واحتجاج كل فريق لرأيه ومذهبه، وحرصهم على دوام ذلك تطلبًا للحق؛ لأن الحق مشاع.
ولقد قال أبو جعفر المنصور للإمام مالك بن أنس:"إني عزمت أن أكتب كتبك هذه -يعني الموطأ باعتبار أبوابه- نسخًا ثم أبعث إلى كل مصر من الأمصار بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوها إلى غيرها".
فقال مالك:"لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم من اختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم، وإن ردهم عن ذلك شديد فدع الناس وما هم عليه".
ولقد كان في مدة الدولة العبيدية بالقيروان مذهبان متضادان تمام المضادة في أصول الدين وفروعه وهما مذهب المالكية سكان البلاد، ومذهب الإسماعيلية من الشيعة مذهب أهل الدولة، وكان علماء الفريقين ينشرون كتبهم، ويدرسون مذاهبهم لا يصد أحدهم الآخر.
ثم كان نظير ذلك بمصر في عهد انتقال العبيديين إليها، وتأسيس دولتهم الملقبة بالفاطمية.
وشواهد هذا كثيرة في تاريخ المذاهب.
لم يقتصر الإسلام في بذل حرية العلم على المسلمين، بل منح الحرية لأهل الملل الداخلين في ذمته وسلطانه، وقد كان اليهود في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدرسون التوراة في المدارس بالمدينة، وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مدارسهم ودعاهم إلى الإسلام كما هو ثابت في الصحيح.
وأما حرية العمل فهي تتعلق بعمل المرء في خُوَيِّصته، وبعمله المرتبط بعمل غيره؛ فحرية العمل في الخويصة مثل تناول المباح والاحتراف بما شاء، ولا يجبر على أن يعمل لغيره إلا إذا تعين عليه عمل من المصالح العامة أو ما فيه حفظ حياء الغير مثل الدفاع عن الحوزة، وحراسة الثغور، وإنقاذ الغريق، وخدمة من تتعين عليه خدمته، وإعطاء الزكاة، ونفقة القرابة.
وكل ذلك يرجع إلى القسم الثاني في الحقيقة.
وكذلك التصرف في المال عدا ما هو محظور شرعًا، إلا إذا طرأ عليه اختلال التصرف من عَتَهٍ أو سفه، وذلك قيد في الحرية؛ لأنها حرية غير ناشئة عن إرادة صحيحة؛ فألغيت لأجل مصلحته ومصلحة عائلته.
وحكم النساء في حرية التصرف مثل الرجال بحسب ما تسمح به حالتهن من انتفاء المفاسد؛ فلهن التصرف في أموالهن إذا كن رشيدات، ولهن إشهاد الشهود في غيبة أزواجهن.
وكل ذلك لا عهد للعرب ولا لأهل الأديان الأخرى بمثله.
ولهن الخروج لقضاء حوائجهن بالمعروف، ولهن حضور الجمعة والجماعة والعيدين وفي الحديث:"ولتخرج العواتق، وربات الخدور، وليشهدن الخيرَ ودعوة المسلمين".
وكانت امرأة عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- تخرج إلى صلاة الجماعة وتعرف منه الكراهية فتقول:"والله لأخرجن إلا أن تمنعني فلا يستطيع منعها".
(يُتْبَعُ)