فهرس الكتاب

الصفحة 16507 من 20085

إن للإيمان بيوتًا، وللنفاق بيوتًا ...

ـ [أبو الصادق] ــــــــ [08 - Feb-2010, مساء 07:39] ـ

"إن للإيمان بيوتًا، وللنفاق يبوتًا،"

وإن بيت بني مقرن من بيوت الإيمان""

"عبد الله بن مسعود"رضي الله عنه

كانت قبيلةُ مُزَيْنَةَ تتخذُ منازِلَها قريبًا من يَثْرِبَ على الطريقِ المُمْتَدَّةِ بين المدينةِ ومكَّةَ.

وكان الرسولُ صلواتُ اللّهِ وسلامُه عليه قد هاجَر إلى المدينةِ، وجَعَلَتْ أخبارُه تَصِلُ تِبَاعًا إلى مُزَيْنَةَ معَ الغادِينَ والرائِحينَ، فلا تَسْمَعُ عنه إلاَّ خَيْرًا

وفي ذاتِ عَشِيَّةٍ، جَلَسَ سَيِّدُ القومِ، النعمانُ بنُ مقرِّنٍ المزنيُّ، في ناديه مع إِخْوَتهِ ومَشْيَخَةِ قبيلتهِ فقال لهم:

يا قوم واللّهِ ما عَلِمْنا عن محمدٍ إِلاَّ خيرًا، ولا سَمِعْنَا من دَعْوَتِهِ إِلاَّ مَرْحَمَةً وِإحْسانًا وعَدْلًا، فما بالُنا نُبْطِئُ عنه، والناسُ إليه يُسْرِعون؟!

ثم أتبعَ يقول:

أما أنا فقد عَزَمْتُ على أن أغدُوَ عليه إِذا أصْبَحْتُ، فمَنْ شاءَ منكم أنْ يكونَ مَعي فَلْيَتَجَهَّزْ.

وكأنَّمَا مَسَّتْ كلماتُ النُّعْمَانِ وَتَرًا مُرْهَفًا في نفوسِ القوم، فما إِنْ طَلَعَ الصباحُ حَتَّى وَجَدَ إِخْوَتَهُ العشرةَ، وأربَعَ مِائَةِ فارس من فرسانِ مُزَيْنَةَ قد جَهَّزوا أنفُسَهُمْ لِلْمُضِيِّ مَعَه إِلى يَثْرِبَ لِلِقَاء النبيِّ صلواتُ اللّه وسلامُه عليه، والدُّخول في دينَ اللّهِ.

بَيْدَ أن النُّعْمَانَ اسْتَحَى أن يَفِدَ مع هذا الجمع الحاشِدِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم دونَ أن يَحْمِلَ له وللمسلمين شيئًا في يَدِه.

لكنَّ السَّنةَ الشَّهْبَاءَ المُجْدِبَةَ التي مَرَّتْ بِها مُزَيْنَةُ لم تَتْرُكْ لها ضرْعًا وَلا زَرْعًا

فطافَ النُّعْمَانُ بِبَيْتِهِ وَبُيُوتِ إِخْوَتِهِ، وجَمَعَ كُلَّ ما أبْقَاهُ لهمُ القَحْطُ من غُنَيْماتٍ، وساقَها أمَامَهُ وقَدِمَ بها علَى رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وأعْلَنَ هو ومَنْ معه إِسلامَهم بينَ يَدَيْه.

اهتَزَّتْ يثربُ من أقْصاهَا إِلى أقصاها فَرَحًا بالنُّعْمَانِ بنِ مُقَرِّنٍ وصَحْبِه، إِذْ لم يَسْبِقْ لِبَيْتٍ مِنْ بيوتِ العربِ أن أسْلَمَ منه أحدَ عَشَرَ أخًا من أبٍ واحدٍ ومَعَهُمْ أربعُ مائة فارِسٍ.

وسُرَّ الرسولُ الكريمُ بإسلامِ النعمانِ أبلغَ السُّرورِ

وتَقَبَّلَ اللّه جَلَّ وَعَزَّ غُنَيْمَاتِهِ، وَأنْزَلَ فيهِ قرَآنًا فقال:

{وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤمِنُْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِر، وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللّهِ، وَصَلَوات الرَّسُولِ، ألاَ إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ في رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمُ}

انْضَوَى النُّعْمَانُ به مُقَرنٍ تحتَ رايةِ رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وشَهِدَ معهُ غَزَوَاتِهِ كُلَّها غيرَ وانٍ ولا مُقَصِّر

ولما آلتِ الخِلافَةُ إِلى الصِّدِّيقِ رضي الله عنه وقفَ معه هو وقومُه من بنى مُزَيْنَةَ وَقْفَةً حازِمَةً كان لها اثرٌ كبيرٌ في القَضاء على فِتْنَةِ الرِّدَّة

ولما صارَتِ الخِلاَفَةُ إِلى الفاروقِ رضي الله عنه كان للنعمان بنِ مقرِّنٍ في عهدِه شَأن ما يَزَالُ التاريخُ يَذْكُرُهُ بلسانٍ نَدِي بِالْحَمْدِ، رَطيبٍ بالثناءِ

فقُبَيْلَ الْقَادِسِيَّة، أرسلَ سعدُ بنُ أبي وَقَّاص رضي الله عنه قائدُ جيوشِ المسلمينَ وَفْدًا إِلى كِسْرَى يَزْدَجُرْدَ بِرِئاسَةِ النُّعْمَانِ بنِ مُقَرِّنٍ لِيَدْعُوَهُ إلى الإسلامِ

ولما بلغوا عاصِمَةَ كِسْرَى في المدائِنِ استأذنوا بالدُّخولِ عليه فأذِنَ لهم، ثم دعَا التَّرجُمَانَ فقال له:

سَلْهُمْ: ما الذي جاءَ بِكم إِلى دِيارِنا وأغرَاكُمْ بِغَزْوِنَا؟! لَعَلَّكُمْ طَمِعْتُمْ بنا واجْتَرَأتمْ علينا لأنَنّاَ تَشَاغَلْنَا عَنْكُمْ، ولم نَشَأ أنْ نَبْطِشَ بكم

فالْتَفَتَ النعمانُ بنُ مُقَرِّنٍ إلى مَنْ مَعَهُ وقال: إنْ شئتم أجَبْتُهُ عنكم، وِإنْ شاءَ أحدُكم أنْ يَتكَلَّمَ آثرْتُهُ بالكلامِ، فقالوا:

بل تَكَلَّمْ، ثم التَفَتُوا إلى كِسْرَى وقالوا: هذا الرجلُ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِنَا فَاسْتَمِعْ إلى ما يقول

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت