ولا تعارض بين هذه الأقوال, إذ تصب جميعا في كون التجديد حركة علمية فكرية جهادية إحيائية تنفي عن الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
أبرز المجددين وإنجازاتهم
** علماء السلف تكلموا في مجددي الأمة، وحاول بعضهم أن يجعل لكل مائة سنة مجددا بعينه إلى أن أوصلها إلى المائة العاشرة، وبعض المعاصرين أوصلها إلى عصرنا، فجعل من حسن البنا مجدد القرن العشرين. كيف تنظر إلى مسألة مجددي الأمة؟ وهل يصلح هذا الحديث للبناء عليه والحديث عن مجدد بعينه لكل مائة سنة؟.
-تصديقا لهذا الخبر النبوي، فقد عرف تاريخ الإسلام نماذج من المجددين الذين ابتعثوا ليصلحوا ما أفسد غيرهم، ويحيوا ما أمات سلفهم, فكانوا علامات منيرة, وشامات مضيئة, أعادوا للإسلام رونقه وبهائه, واستعادوا وهجه ونضارته.
وهكذا كلما ضعفت الأمة ووهنت، وحادت عن منهجها الصحيح، إلا ويسر الله من يحيي ما اندرس من الدين, ويقوم المسار الذي اعوج، حتى تضعف الأمة مرة أخرى وتحيد، فيكون التجديد.
والذي عليه جمع من أئمة الإسلام، أن المجدد على رأس المائة الأولى هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - الذي تولى الحكم بعد أن انحرف مسار الحكم من الخلافة الشورية إلى الملك العضوض, ووقعت الأثرة في الأموال، وعم الاستبداد والظلم, وتغيرت الأخلاق والسلوكيات، فأرسل الله تعالى عمر بن عبد العزيز ليصلح ما أفسد أهله وسلفه, فكان أول ما جدد أن أعاد الأمر شورى، وعرض نفسه على الناس، فلما أبوا إلا أن يكون خليفتهم، بدأ مسيرة الإصلاح و التجديد, فتخلى عن أثواب الحرير، ومراكب الفضة, ومجالس الزهو، واسترد كل ما اغتصب أهله من أموال, ونزع عنهم كل ما خصوا به من امتيازات, بدأ ذلك بزوجه فاطمة, فوضع حليها في بيت المال.
ثم أحدث عمر بن عبد العزيز حركة تغييرية واسعة في المناصب والمسؤوليات، فقرب أهل الخير والعلم، وولى أهل القوة والأمانة، واستشار الصادقين المخلصين، وأزاح المتملقين والوصوليين، وأعاد تدبير أموال الدولة، فألغى المكوس، وصرف الزكاة لمستحقيها, حتى إن المال لا يقبله أحد، وزكى النفوس، وهذب السلوك، حتى أصبح الناس لا حديث لهم إلا عن الموت والآخرة، بعد أن كانوا لا حديث لهم إلا عن القيان والعمران، وقضى على العصبية, ومنع سب بني هاشم، وأنصف أهل الذمة، وقضى على البدع, وشجع العلم, فأمر بتدوين السنة وحفظها، وهكذا استحق أن يكون مجدد الإسلام الأول.
ويكاد يتفق العلماء على أن المجدد على رأس المائة الثانية هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ومن درس سيرة الرجل عرف مدى سداد هذا القول وقيمته، فالرجل معلم من معالم هذه الأمة، وعبقري من عباقرة الكون، فتح عينه على واقع أمته، فرأى عصبية مقيتة, ومجادلات عقيمة, وتناطحا وتناوشا بين مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي, دون أن يكون ذلك مبنيا على أسس سليمة، وقواعد متينة، فأحيى المنهج الصحيح في التلقي، ووضع القواعد، وصاغ الضوابط، مستعينا بما وهبه الله تعالى من فصاحة اللسان, وقوة البيان، ودقة الاستنباط، وقوة العارضة, ونور البصيرة, وتوقد القريحة, وقدرة خارقة على إقامة الحجة، وإفحام المناظر, فأعاد الأمة إلى جادة السنة, وقعَّد و نظَّر, وخلَّد ذلك في رسالته الرائعة, التي أسست علم أصول الفقه، ووضعت مبادئه و أصوله.
** ذكرتَ نموذجين اثنين، كان الأول نموذجا للرشد في الحكم والسياسة وعرف الثاني بالرشد في الفقه والنظر الأصولي، فما قولك في ابن تيمية؟.
-لقد عرف تاريخ الإسلام بعد الشافعي نماذج أخرى من المجددين، لكني سأقفز عبر التاريخ لأتحدث عن مجدد عظيم عرفه القرن الثامن الهجري، هذا المجدد الذي تناولته السهام ولا تزال تتناوله رغم دوره العظيم في صياغة تاريخ هذه الأمة، أقصد بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني, الذي نشأ في عصر سادت فيه الفتن, حيث توالت هجمات التتر الوحشية, حتى احتلوا بغداد وحاصروا دمشق, وفشت البدع والخرافات والانحرافات العقدية والسلوكية، وعرف الناس العقيدة على طريقة أهل الكلام، وعم التقليد, وأقبر الاجتهاد, وغلب التعصب، فهيأ الله شيخ الإسلام، ليحيي به الأمة بعد مواتها, فنقد المناهج الفلسفية والكلامية, وأصل المنهج الصحيح للتلقي, وعمل على تنقية الدين مما قد دخله من شوائب وخرافات، ونقد المناهج المنحرفة
(يُتْبَعُ)