في ذلك بقوة بيان, ونصاعة حجة, وأفحم النصارى بحججه وبراهينه, وأحيا الاجتهاد, وتمرد على التقليد، وحاكم الناس إلى الدليل, وعاش قضايا عصره منظرا وموجها ومفتيا، حتى إنه قاد الأمة بنفسه، ودافع عن مصالحها، وحفظ حقوقها، ودفع عنها عدوها، ولا يشك أحد في أن شيخ الإسلام بمواقفه الخالدة، وتراثه الغني، يستحق أن يكون أحد مجددي الإسلام العظام.
** لو انتقلنا إلى العصر الحديث، هل توافق بعض الرموز الحركية التي ذهبت إلى أن حسن البنا هو بحق مجدد القرن العشرين؟
-لا يفوتني وأنا أمثل لبعض المجددين في الإسلام، أن أمثل لبعض رواد التجديد في الزمن القريب, ومن أبرزهم الإمام الشهيد حسن البنا - رحمه الله -، فمع هدم الخلافة الإسلامية، على يد الطاغية أتاتورك، كانت أوضاع المسلمين قد بلغت الحضيض، حيث غلب الجمود والتعصب، وانتشر الفساد، وقوي النشاط الصليبي، وأثار المستشرقون الشبه، ونفثوها في عقول أبناء الأمة، فكان لابد من مجدد يحيي ما مات، فبعث الله حسن البنا لينشأ بذرة الحركات الإسلامية، وليقود حركة علمية فكرية جهادية تصحيحية، فخرج يدعو الناس إلى الإسلام في الشوارع والمقاهي والحانات، ويراسل ويكاتب، ويربي ويوجه، ويجاهد من أجل طرد الإنجليز من مصر واليهود من فلسطين، وينشئ جيلا يصحح مسار الأمة، ويعرفها بقضاياها الحقيقية، من غير كلل ولا تعب، حتى أدى ضريبة دوره وقيمته, فسقط مضرجا في دمائه الزكية، شهيد الإسلام والدين والدعوة.
** إذا جارينا هذا المنطق في التفسير، فستكون دلالة الحديث منصرفة على الفرد وليس إلى الجماعة، وهو ما لم يقل به كثير من أهل العلم متقدمهم ومتأخرهم، فهل ترون التجديد زعامة فكرية لفرد يستطيع أن يعبئ أمة، أم أن التجديد هو جهد جماعات ومؤسسات وحركات إحياء علمية واسعة يشارك فيها الجميع؟.
-من حيث اللغة، الاسم الموصول (من) الوارد في الحديث يصلح للمفرد والجمع، وبالتالي فقوله صلى الله عليه وسلم: (من يجدد لها دينها) يحتمل أن يكون المقصود إماما مجددا أو أئمة مجددين أو حركة تجديدية.
وقد ذهب بعض العلماء إلى اعتبار المجدد فردا واحدا، إلا أن الذي يظهر لي أنه إن صدق هذا في عمر بن عبد العزيز أو الشافعي، فإنه يصعب إسقاط ذلك على من جاء بعدهم بإطلاق، أي أن الرجل قد يكون مجددا في باب دون غيره، وقد يقوم بالتجديد جماعة يتعاونون كل من جهته على القيام بهذا الدور، خاصة مع فشو الفساد وكثرة الشر، واتساع أمصار المسلمين، وتناقص الخيرية، حتى يصعب أن تجد شخصا تجمع عليه الأمة، جمع كل شروط التجديد، وحاز كل الفضل.
على أننا رأينا أن التجديد في العصور المتأخرة قامت به جماعات وحركات إحيائية، وتقلص دور الأفراد لصالح الجماعة. ومما يعضد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) ، ففيه إشارة إلى أن القائم بالحق عند وهن الأمة وضعفها جماعة من الناس يناوئون عنه ويذبون، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
وهذه الطائفة كما ذكر النووي وغيره فيها أهل الفقه وأهل الجهاد وأهل الزهد وأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرهم من القائمين بالدين، مما يشير إلى أن القائم بالتجديد جماعة لا فرد، ربما اجتمعوا في المكان الواحد، وربما فرقتهم الأمصار، وهذا الرأي هو الذي ذهب إليه كثير من المحققين من أهل العلم.
التجديد بين الذاتية والإكراه
** هناك انتقادات كثيرة تتوجه إلى دعاة تجديد الخطاب الديني في هذا العصر، منها أنهم يستجيبون فقط للتحديات الخارجية والإكراهات المفروضة عليهم، ولا يعتبرون التجديد خيارا ذاتيا في الأمة، كيف تنظرون إلى التجديد في ظل هذه الانتقادات؟.
-لا بد أن نؤكد بأن التجديد هو سنة كونية وشرعية، أما كونه سنة كونية فإن جسم الإنسان تتجدد خلاياه باستمرار، فتنشأ خلايا جديدة، وتموت أخرى قديمة، في عملية تجديدية مستمرة بإذن الحكيم الخبير، ولأن النظر إلى تاريخ الأمم يقنع بأن التجديد مظهر حضاري وسلوك صحي، وعامل من عوامل التقدم والرقي.
(يُتْبَعُ)