2ـ إذا كان ناسخه واحد من تلاميذ المحقق، المعروفين بالدقة، كابن المهندس بالنسبة للمِزِّي، وقابل هذا التلميذ نسخته على الشيخ، فهي تعادل نسخة الشيخ.
3ـ إذا كانت منسوخة في عصر المؤلف، ولم يثبت اطلاع المؤلف عليها، فهذه تأتي في المرتبة الثالثة، ويمكن تغيير الخطأ في الأصل، ولكن بحذر شديد، لا يعرفه إلا من كابد مشقة التحقيق، وقطع في ذلك عمره طولا وعرضا، وليس لصبيان الملازم والورقات.
4ـ النسخ المتداولة، والمنسوخة عن منسوخ، عن منسوخ ... فهذه ليست أصولا، فقد تداولتها عشرات الأقلام، ومنها المتردية، والنطيحةُ، وما أكل السبُعُُ!!
ولا يكتب المحقق: وقع في الأصل إلا على سبيل المجاز، أيُّ أصل هذا؟!، إن هذا فرعُ فرعٍ.
وهنا أيضا يحتاج الأمر إلى محقق بارع، أمينٍ، خبيرٍ بأمور التحقيق.
وفي هذه الحالة نجد أنفسنا أمام عَرَضٍ بعيدٍ، وسفرٍ إلى المجهول.
فيبدأ البحث في اتجاهين:
الأول: النسخ المُساعِدة.
والثاني: المؤلف؛ شيوخه وتلاميذه.
وأضرب مثالًا:
كنت أعمل عند الإخوة، (جماعة السيد أبي المعاطي) ، وهم يحققون مسند الإمام أحمد، والذي صدر عن عالم الكتب، والذي سرقه حسان عبد المنان في طبعة الأفكار الدولية، ورأيت التالي:
ـ جميع النسخ الخطية التي وقفوا عليها، وكذلك التي وقف عليها محققوا طبعة الرسالة، وهناك تعاون مستمر بين الفريقين، لا يوجد فيها نسخة واحدة عتيقة، يعتمد عليها، وكلها نسخ متوسطة التاريخ، ناقصة.
ـ بدأ البحث عن النسخ المساعدة، مثل: غاية المقصد في زوائد المسند، وأطراف المسند، وجامع المسانيد والسنن ـ ولا أقصد المطبوع منه عن دار الكتب العلمية، لأن المطبوع يصلح فقط للدعاية، والإعلان، والديكور.
ـ ثم البحث عن الكتب التي نقل عنها أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، المسند، مثل مصنف عبد الرزاق وغيره، والكتب التي نقلت عن المسند.
ـ ثم الاستعانة بمصادر الحديث المتوفرة من جميع أنواع صنوف الحديث، للمقارنة، والتمحيص.
ثم يبدأ العمل.
إخواني؛ أصابني التعب من البداية، وازداد الآن، لأنني وأنا أكتب أشعر بالحياء من نفسي، لأنني أعرف قيمة الذين كتبوا في الحديث من قبل، وهذه مشكلتي، ففي الماضي كانوا ينتظرون أبا زُرعة الرازي، وحماد بن زيد، وسفيان الثوري، فيأتيهم البدر في الليلة البيضاء، لأنهم لم يعرفوا السواد والظلمات.
والآن، كما ترون، يكتب واحد مثلي، جاهل، كل بضاعته أنه يحسن تقليب الورق، وحتى هذه لا يحسنها، ويسير في ميدان كان فارسُه بالأمس الزهري، ومالك بن أنس.
فسامحوني، لو كنت أعلم أن واحدًا منهم سيعود، لدخلتُ دار أبي سفيان، وأنا آمِن.
والسلام
ـ [أبو محمد العمري] ــــــــ [26 - Feb-2010, مساء 09:37] ـ
القسم الثاني:
بعد أن تحدثتُ عن معرفة بيانات النسخة الخطية، التي يراد تحقيقها، وكان ذلك مدخلًا للوصول إلى معرفة الكتاب الذي يراد نشره.
وأعتقد أن السبب في تدهور مستوى التحقيق يرجع إلى هذين السببين، مع أسباب أخرى.
فكما سلف وذكرتُ، لا توجد قاعدة ثابتةٌ، لتحقيق كل مخطوط، وإنما لكل مخطوط قاعدة.
كذلك نوع الكتاب، والمادة التي يتناولها، فكل كتاب له قاعدة في التحقيق، تختلف عن الآخر.
لكن السذاجة، أو قل: البلاهة، أو قل: الجهل الذي أحاطنا، أو هؤلاء مجتمعون، جعل أمثالي عندما يحققون (للأسف) كتابا، لا يفرق بين كون هذا الكتاب في رجال الحديث، أو العلل، أو الشروح، أو المؤتلِف والمختلِف، أو في بيان الصحيح والضعيف، أو في المصطلح لتدريب الصغار ـ من طبقتي ـ على هجاء حروف علوم الحديث.
فترى هذا الأبله قد وقع في يديه مخطوط في العلل، لسوء حظ المخطوط، المكون من عشر ورقات، فيجلس القرفصاء، ويبدأ في دراسة الجدوى:
1ـ كيف يُخرج العشر ورقات في أربع مجلدات؟
2ـ آسف، ليس هناك (2) ولا (3) .
لأن الأولى هي الأهم، وهي التي عليها حساب الملازم، وهي التي سيتقاضى عليها الحساب، من الناشر الذي سيأكله!!، ولكي يقول: لقد حققت موسوعة في أربعة أجزاء.
(يُتْبَعُ)