ويبدأ في الجريمة، فيضع في كل صفحة نصف سطر، ويأتي على: (حدثنا مسدد) فيشرح في الحاشية اسم (مسدد) ، والخلاف في اسمه، والحالة السياسية في عصر (مسدد) ، وشيوخه وتلاميذه، نقلا عن (( تهذيب الكمال ) )، والخلاف فيه جرحًا وتعديلًا، والخلاف في تاريخ وفاته، ومصادر ترجمته (سرقةً أيضًا من حواشي(( تهذيب الكمال ) ))، ثم ذكر عنوانه، وأسماء جيرانه، وفصيلة الدم!!، ثم الأهم من ذلك كله: سبب الخلاف بينه وبين زوجته التي توفيت في حياته.
وينسى هذا (المُخبر) ، أو المحقق، أنه يحقق كتابا في العلل، وأن الذي سيقرأ في هذا الباب، ويبحث فيه، هو من حفيت قدماه في طلب العلم، ولم يعد في حاجةٍ إلى من يشرح له عنوان بيته بالتفصيل المُمِل.
وللأسف المتكرر؛ أعرف ناسًا يعملون بالتحقيق، وعند البداية في عمل جديد، يجلسون لوضع خطة العمل، وأساسها يقوم على تحديد الكتب السابقة التي حققوها، وكتب الآخرين التي تطول حواشيها، طول ليل السجن، ثم يطلبون من فريق العمل نقل هذه الحواشي في العمل الجديد، باحترفٍ وشطارة، وتغيير بعض الأحرف إن أمكن، مع الإكثار من وضع: (يرحمه الله) وبعض الألقاب والأحساب وراء اسم كل عالم، ولا مانع من اصطناع خلاف في كنيته، ثم إيراد عدة أسطر، ثم والصواب ما أثبتنا.
والكتاب الذي يخرج في مجلدين، يخرج لطلبة العلم (الغلابة) ، و (أبناء السبيل) ، و (اليتامى) ، في خمسين مجلدًا، وطالب العلم ماذا يصنع، هل يبدأ بالزواج، أم بشراء الكتاب؟؟!!.
والذي بعث محمدًا بالحق، عملت عند جماعة السيد أبي المعاطي، وهم يعملون مسند أحمد، طبعة عالم الكتب، وتكرموا عليَّ بأن تركوني أجمع قصاصات الورق، وخرج الكتاب في عشر مجلدات، مع الفهارس، ثم كانت المفاجأة، أن تكرم بسرقته حسان عبد المنان، وطبعه في مجلد واحد، حرفا بحرف، حتى الخطأ الذي وقعوا فيه، بسببي، عنده كما هو، ولن أستطيع أن أشرح لكم فرحهم بخروج الكتاب في مجلد واحد، مع أن جهدهم سنين طويلة قد سرق، ولكن سمعت كبيرهم ـ في السن ـ يقول: الحمد لله الذي يسر على طلبة العلم، اللهم اشهد أني سامحتُ هذا السارق.
الغريب أن الناشر كان سلم حسان الكتاب لمراجعته قبل الطبع، وكتب له مقدمة، دون معرفة جماعة السيد، وفيها من المخالفات في العقيدة ما لا يقرون به.
لقد رأيت هنا وهناك من يبكي بدم، وكاد يلطم الخد، ويشق الجيب، لأن فلانا أخذ عنه بعض الحواشي، والتي لا فائدة منها أصلا.
والخلاصة؛ أنه لكل مقام مقال، ولكل كلام رجال، ومن أراد تحقيق نصٍ، فليكن ابتغاء وجه الله أولا وآخرا، ببذل الجهد لإخراج النص الذي تركه المؤلف، كما أشار أخي العدوي، فهذه هي الغاية من التحقيق، وليس الاتفاق على سعر الملزمة.
** توضيح
ربما يظن واحد من الإخوة، أنني أُوافق على سرقة الكتب.
ولكن عقيدتي، وديني في هذا الأمر هو ماجاء في كتاب الله تعالى:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
وماجاء في سنة النبي؛
عَنِ أَبيِ صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ r قَالَ (( لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ. ) ).
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، والنسائي.
هذا قولٌ فصلٌ، وليس بالهزل.
ولذلك سميت الذي فعل بالسارق، كما سماه رب العالمين.
والسرقة تختلف عن الاستفاده من العلم، فكل جيل يأتي يأخذ عن الذي سبقه؛
قال أبو أحمد الحاكم: كنتُ بالرَّي، وهم يقرؤون على ابن أبي حاتم كتاب (( الجرح والتعديل ) )فقلتُ لابن عبدويه الوراق: هذه ضحكةٌ، أراكم تقرؤون كتاب (( التاريخ ) )للبخاري على شيخكم، على الوجه، وقد نسبتُموه إلى أبي زُرعة، وأبي حاتم، فقال: يا أبا أحمد، إن أبا زُرعة وأبا حاتم، لما حُمل إليهما (( تاريخ البُخَارِيّ ) )قالا: هذا علمٌ لا يُستغنى عنه، ولا يحسن بنا أن نذكره عن غيرنا، فأقعدا عَبد الرحمان يسألهما عن رجلٍ بعد رجلٍ، وزادا فيه، ونقصا. (( تذكرة الحفاظ ) )3/ 978، و (( سير أعلام النبلاء ) )16/ 373.
وقال ابن حَجَر: قال ابن أبي حاتم: عن حُذيفة بن داب، روى عنه ابن أبي ذئب وعَبد الرحمان بن إسحاق، وهو ملخص (يلخص) كلام البُخَارِيّ على العادة. (( لسان الميزان ) )5/ 120.
وقد رأينا الكمال، ثم تهذيب الكمال، ثم تذهيب تهذيب الكمال، ثم تهذيب التذهيب، ثم تقريب التهذيب ... وكلها حلقاتٌ من العلم النافع، استفاد الخلفُ من السلف، وأضاف عليه أو حذف، وما سمعنا صراخ أحدٍ ولا عويله.
ـ [أبو محمد العمري] ــــــــ [26 - Feb-2010, مساء 09:38] ـ
بعض طلاب الدراسات العليا أخبره مشرفه"الأكاديمي"إنه لن يمنحه الشهادة ما لم يكثر الحشو!
والغريب أن هذا هو حال معظم المشرفين على جميع الرسائل في جميع دولنا العربية، إلا من رحم ربك.
والظاهر أن السر في ذلك يعود إلى ما يُعرف بـ (مرتبة) الشرف.
والمرتبة عندنا في مصر هي هذا الشيء الذي يوضع على الأسرة، ويُحشى بالقطن، أو بالفهارس!!
ولكي يحصل الطالب على (مرتبة) الشرف، فلابد من إتقان الحشو.
في هذه الحالة، عل الطالب المخلص أن يتحمل ويقوم بتعبئة الرسالة (المرتبة) بما يلزم، ومن أي كتاب، حتى من قواميس اللغة اليونانية القديمة.
وبعد حصوله على درجة الدكتوراة، بـ (مرتبة) الحواشي، يقوم الطالب المخلص بإفراغ الحواشي منها، ويطبع رسالته، ليس بدون الحواشي فقط، بل بحذف ثلاثة أرباع أصل الرسالة، ولو عمل معروفا في أُمة محمد، فليحذف الربع الباقي، من باب الرحمة، وحقوق الإنسان، ومن لا يرحم، لا يُرحم.
وفي كل الحالات هو قد أصبح دكتورا في علل الحديث، بعد أن أصابنا بشتى أنواع العلل.
ومع هذا، فهناك رسائل محترمة، وقيمة، فيها من الجهد الكثير، وخاصة في علوم الحديث، والتي خرجت عن جامعة محمد بن سعود، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حفظها الله من كل سوء.
(يُتْبَعُ)