فهرس الكتاب

الصفحة 18280 من 20085

قلت: ولا شكَّ أن كلا التفسيرين لكلمة (مشاحن) يفسر بعضه بعضًا؛ إذ لا فرق بين من يعادي ويخاصم أخاه المسلم لدنيا, وبين من يخاصم المسلمين بابتداعه وتحزبه ومفارقته لجماعتهم, بل إن من يعادي خيار عباد الله من هؤلاء المبتدعين أولى أن ينطبق عليه الحديث من عوام المسلمين, ولا شك أن الشيعة يدخلون في هذا الحديث دخولًا أوليًّا لعدائهم الصحابة وأولياء الله من الصالحين.

تخصيص هذه الليلة ويومها ببعض العبادات واختلاف المروي عن السلف في ذلك:

القول الأول: استحباب إحيائها جماعة في المساجد.

جاء ذلك عن مكحول, وخالد بن معدان, ولقمان بن عامر وغيرهم، ووافقهم إسحاق بن راهويه.

قال الشافعي -رحمه الله- في الأم: «وبلغنا أنه كان يقال إن الدعاء يستجاب في خمس ليال: في ليلة الجمعة, وليلة الأضحى, وليلة الفطر, وأول ليلة من رجب, وليلة النصف من شعبان. قال الشافعي: وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال: رأيت مشيخة من خيار أهل المدينة يظهرون على مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة العيد؛ فيدعون ويذكرون الله حتى تمضي ساعة من الليل, وبلغنا أن ابن عمر كان يحيى ليلة جمع, وليلة جمع هي ليلة العيد لأن صبيحتها النحر» . «الأم» (1/ 231) .

القول الثاني: استحباب إحيائها فرادى, وكراهة ذلك جماعة في المساجد.

وهو قول الإمام الأوزاعي, واختيار الحافظ ابن رجب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل, وكان من السلف من يصليها, لكن اجتماع الناس فيها لإحيائها في المساجد بدعة، والله أعلم.

وصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان والاجتماع على صلاة راتبة فيها بدعة, وإنما كانوا يصلون في بيوتهم كقيام الليل. وإن قام معه بعض الناس من غير مداومة على الجماعة فيها وفي غيرها فلا بأس كما صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة بابن عباس وليلة بحذيفة». «المستدرك على مجموع الفتاوى» (3/ 112 (.

القول الثالث: عدم جواز تخصيص يومها بصيام دون سائر الأيام, ولا ليلتها بقيام دون سائر الليالي, لعدم ورود شيء صحيح من ذلك في السنة المطهرة, ولا من فعل الصحابة, وأن فعل ذلك بدعة منكرة حدثت في الإسلام بعد عصر الصحابة -رضي الله عنهم-.

قال عبد الرزاق في مصنفه: «أخبرنا معمر عن أيوب قال: قيل لابن أبي مليكة: إن زيادًا المنقري -وكان قاصًّا- يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان مثل أجر ليلة القدر! فقال ابن أبي مليكة: لو سمعته يقول ذلك وفي يدي عصا لضربته بها» . «المصنف» (4/ 317) برقم: (7928) .

عن زيد بن أسلم -رحمه الله- قال: «ما أدركنا أحدًا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان, ولم ندرك أحدًا منهم يذكر حديث مكحول, ولا يرون لها فضلًا على ما سواها من الليالي» . أخرجه ابن وضاح في «البدع» رقم (119) .

وقال المباركفوري -رحمه الله تعالى-: «لم أجد في صوم يوم ليلة النصف من شعبان حديثًا مرفوعًا صحيحًا» . «تحفة الأحوذي» (3/ 368) .

وقال شيخنا مشهور -حفظه الله-: «إن ليلة النصف من شعبان لم يكن في ليلها قيام, ولم يثبت في نهارها صيام» . «حسن البيان فيما ورد في ليلة النصف من شعبان» (ص6) .

قلت: وحديث: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها» . حديث موضوع كما في «السلسة الضعيفة» (5/ 154) .

القول الفصل في هذه المسألة:

قال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: « ... من البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، أما ما ورد في فضل الصلاة فيها، فكله موضوع، كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم، وسيأتي ذكر بعض كلامهم -إن شاء الله- وورد فيها أيضا آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم، والذي أجمع عليه جمهور العلماء أن الاحتفال بها بدعة، وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة، وبعضها موضوع، وممن نبه على ذلك الحافظ ابن رجب، في كتابه: «لطائف المعارف» وغيره، والأحاديث الضعيفة إنما يعمل بها في العبادات التي قد ثبت أصلها بأدلة صحيحة، أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فليس له أصل صحيح حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة. وقد ذكر هذه القاعدة الجليلة الإمام: أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-».

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت