فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أين دَارَا مَلِكُ الفرس وابن ملوكها وعدلها وابن عدولها؟ أين دَارَا بن دارَا بن بَهمن؟ أين الإسكندر بن فِليبس اليوناني المجْدُوني الذي غلبه وملك بلاده في ذلك الزمن، وأطاعته جميع ملوك الأقاليم، وقدر الله به امتحان [ ... ] ذلك تقدير العزيز الحكيم؟ أين هِرقل وقيصر؟ غلبهما من الموت الأسد القسور، بعد أن أخرجهما من بلادهما أميرُ المؤمنين أبو حفص عمر، لما ظهرت الملة الحنيفية كما ظهرت الشمس وبدا القمر؟ أين أولاد جفنة وملوك غَسّان؟ أين مماديح زياد وحَسّان؟ أين هَرَم بن سنان؟ أين الملاعب بالسّنان؟ أين أولاد مضر بن نزار بن معد بن عدنان؟ أين بنو عبد المدان؟ أين أرباب العواصم؟ أين قيس بن عاصم؟ أين العرب العرباء الأمة الفاضلة، والجماعة المناضلة؛ أولو البأس والحفاظ وذوو الحمية والإحفاظ، حيث الوفاء والعهد، والنجاء والوفد، إلى علو الهمم، والوفاء بالذمم، والعطاء الجَزْل والضيف النّزْل، وهبة الإفال والبُزْل، وإنها لا تدين عزا ولاتنقاد، ولا ترام أنفة ولا تقاد، أين قريش المعروفون في الجاهلية بالحي اللقاح، والشعب الرَّقَّاح؟ أين الماضون من ملوك بني أمية، ذوو الألسن الذُّلْق، والأوجه الطُّلْقِ والحمية؟ أين خلفاء بني العباس بن عبد المطلب؛ الذين شرفهم بالأصالة وليس إليهم بالمنجلب، ذوو الشرف الشامخ، والفخر الباذخ، والخلافة السنية الرضية، والمملكة العامة المرضية؟
بلغتنا ـ والله ـ وفاتهم، ولم يبق إلا ذكرهم وصفاتهم، قبض ملك الموت أرواحهم قبضا، ولم يترك لهم حراكا ولا نبضا، ومزق الدود لحومهم قددا، ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا، إلا ما كان من أجساد الأنبياء عليهم أفضل التسليم، فإن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وقد تكلمت على هذا الحديث وأبنت أنه من الصحيح لا السقيم، وخرجت طرقه في كتاب العلَم المشهور بعون من العزيز الرحيم.
فما أبعد المرء عن رشده وما أقصاه! كم وعظه الدهر وكم وصّاه! يخلط الحقيقة بالمحال، والعاطل بالحال ولا توبة حتى يشيب الغراب، ويألف الدم التراب، فيا لهفي لبعد الدار وانقضاض الجدار، وأنت هامة ليل أو نهار، وقابل من عمرك على شفا جرف هار، تقرأ العلم وتدّعيه، ولا تفهمه ولا تعيه، فهو عليك لا لك، فأولى لك ثم أولى لك!
أما آن لليل الغي أن يتجلى إحلاكه، ولنظم البغي أن تنثر أسلاكه، وأن يستفظع الجاني جناه، ويأسف على ما اقترفه وجناه، وأن يلبس عباءة وبتاتا، ويُطَلِّق الدنيا بتاتا، ويفر منها فرار الأسد، ويتيقن أنه لا بد من مفارقة الروح للجسد؟ نبهنا الله من سنات غفلاتنا، وحسّن ما ساء من صنائعنا الذميمة وفعلاتنا، وجعل التقوى أحصن عددنا وأوثق آلاتنا.
المصدر: كتاب النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس (ص166 - 170) ، تحقيق عباس العزاوي، نشر وزارة المعارف العراقية، 1365هـ/1946م.
عن موقع الرابطة المحمدية للعلماء