فهرس الكتاب

الصفحة 18582 من 20085

قلت: لم يتقيد الكاتب بالأمانة العلمية في النقل عن الإمام الشوكاني - رحمه الله - حيث إن لكلامه تتمة، ومع ذلك أغفلها، وهذا نص كلامه كاملًا ( ... ) :"قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء أي إن عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء وينصرفوا منه حذرا من مخالطتهم أو عجزا عن السقي معهم".

والقارئ للنقل يتوهم أن الإمام الشوكاني - رحمه الله - يرى أن العلة في عدم سقيهم مع الناس هي الحذر من مخالطتهم، وليس الأمر كذلك، فالاحتمال وارد، وقد استغربت منه - رحمه الله - أن يجزم بهذا الاحتمال تحكمًا، أي: من غير دليل!، ولهذا رجعت إلى تفسيره، فوقفت على هذه الحقيقة، ويظهر من صنيع الكاتب أنه أراد أن يجعل هذا النقل المبتور مقدمةً صغرى يعتمدُ عليها في إثبات الأمر بعدم الاختلاط، فلسان حاله يقول: تركتا السقي مع الناس حذرا من الاختلاط، والترك إما لكونه مأمورًا به في شريعتهما , وإما بدافع الحياء، وعلى كلا التقديرين هو مأمور به في شرعنا.

-سبب ترك المرأتين للسقي يحتمل أمرين اثنين: الحذر من مخالطة الرجال، والعجز عن السقي معهم، والقاعدة في الأصول: [لا يجوز تعيين أحد الاحتمالين من غير دليل] ، وكان المتعين على الأخ الكاتب أن يبين وجه تعيين أحد الاحتمالين بدلًا من محاولة إخفاء الاحتمال الثاني، مع العلم بأنني أوقفته على ذلك الاحتمال في الرسالة التي بعثتها إليه، وقررت هناك عدم صحة الاحتجاج بالآية.

(( فائدة ) ):

أكثر المفسرين على تفسير الآية بالاحتمال الذي أغفله الكاتب، وهذا أمر يزيد عليه التبعة فيما فعل، وأكتفي هنا بالنقل عن الإمام الطبري - رحمه الله تعالى -، والذين نقل عنه الكاتب في تقريره الاحتجاج بالآية الأولى.

قال - رحمه الله - في تفسيره ( ... ) :"وقوله: ?قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء?يقول جل ثناؤه: قالت المرأتان لموسى: لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء مواشيهم، لأنا لا نطيق أن نسقي، وإنما نسقي مواشينا ما أفضلت مواشي الرعاء في الحوض، والرعاء: جمع راع، والراعي جمعه رعاء ورعاة ورعيان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل."

ذكر من قال ذلك:

حدثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، قال: ثنا القاسم، قال: ثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما قال موسى للمرأتين: ما خطبكما؟ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير: أي لا نستطيع أن نسقي حتى يسقي الناس، ثم نتبع فضلاتهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: حتى يصدر الرعاء قال: تنتظران تسقيان من فضول ما في الحياض حياض الرعاء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال وأبونا شيخ كبير لا يقدر أن يمس ذلك من نفسه، ولا يسقي ماشيته، فنحن ننتظر الناس حتى إذا فرغوا أسقينا ثم انصرفنا"."

-قال الأخ الكاتب:"والداعي لتركهما أحد أمرين ...".

قلت: استعمل (التقسيم) هنا، وهذا الفعل في طياته التسليم بعدم التحكم عند نصب الدليل الفعلي المكتنف لشيء من الاحتمال، وهذه الجادة لم يسر عليها فيما سبق - أي في باعث التأخر عن السقي إلى صدور الرعاة -، وهو ضرب من التناقض يذم في هذا الباب.

-التقسيم الذي ذكره الكاتب ليس حاصرًا، فقد يكون الداعي لترك الاختلاط - على فرض أنه السبب في التأخر- أن أباهما منعهما من ذلك،

وقد لا يكون دافعه كونه مأمورًا به في شريعتهم، بل لأمر يتعلق بالغيرة، أو خشيةً على ماشيتهم من أولئك الناس، أو غير ذلك، وبناء عليه فلا يصح أن يستدل بها على المشروعية.

-قال الأخ الكاتب:"فإن كان مأمورًا به في شريعتهم فإن القاعدة في الأصول: أن شرع من قبلنا شرع لنا ...".

* يحتاج إلى إثبات كونهم متشرعة.

* إثبات كون الفعل شرعا لمن قبلنا لا يصح استفادته من أفعال أتباع الشرائع، كما لا يصح استفادة شرعنا عن أفعال أحد من العلماء في زماننا، بل الاستفادة قاصرة على أقوال الأنبياء وأفعالهم الثابتة بالوحي، وإخبار الله عز وجل عن ذلك.

* لا دليل على أن أباهما هو نبي الله شعيب عليه السلام، قال الإمام الطبري - رحمه الله:"وأما أبوهما ففي اسمه اختلاف، فقال بعضهم: كان اسمه يثرون."

ذكر من قال ذلك:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت