فهرس الكتاب

الصفحة 18639 من 20085

أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟! أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (6) .

والسّببُ الرّئيسُ في استغراقِ ساعاتِ نهارِ رمضانَ في النّومِ يرجع إلى استهلاكِ لياليه بالسّهَرِ والسّمَرِ، وقد يُسْتَتْبَع ذلك باللّهوِ والباطلِ ممّا للإنسانِ فيه ميولٌ وشهوةٌ، أو التّشاغُلِ بما لا يُرضي اللهَ تعالى مِنْ آفاتِ اللّسانِ والجوارحِ والخوضِ مع الخائضين، وغيرِها ممّا فيه مَضَرَّةٌ مجرَّدةٌ عَنِ المنافعِ.

ولا يُساوِرُني شكٌّ في أنّ المبادَرةَ إلى النّومِ بتزويدِ الجسدِ بما يستحقّه منه أفضلُ مِنَ التّشاغُلِ بالسّهَرِ والسّمَرِ والحديثِ فيما لا طائلَ تحْتَه، إلاّ إذا كان السّمَرُ لِمُصَلٍّ أو مسافرٍ أو لإصلاحِ ذاتِ البينِ أو لأمرٍ مِنْ أمورِ المسلمين (7) ، لقولِه صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «لاَ سَمَرَ إِلاَّ لِمُصَلٍّ أَوْ مُسَافِرٍ» (8) ، «فالسّمَرُ في العلمِ يُلْحَقُ بالسّمَرِ في صلاةِ النّافلةِ، وقدْ سَمَرَ عُمَرُ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي مُذَاكَرَةِ الْفِقْهِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: الصَّلاَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا فِي صَلاَةٍ» (9) .

كما يُلاحَظ -مِنْ زاويةٍ أخرى- أنّ استهلاكَ اللّيلِ بالسّهَرِ يُسْكِبُ السّاهرَ فتورًا يدفعه إلى النّومِ طِوَالَ ساعاتِ النّهارِ، الأمرُ الذي يخالف فيه السّنّةَ المطهَّرةَ -كما تقدّم- وتضيعُ منه مصالِحُ جمّةٌ، ويجانبُ الفطرةَ البشريّةَ، فقدْ جعل اللهُ اللّيلَ سكنًا والنّومَ يغشى النّاسَ لِتَسْكُنَ حركاتُهم الضّارّةُ وتحصلَ راحتُهم النّافعةُ، وجعل النّهارَ للانتشارِ وطلبِ المعاشِ، قال تعالى: ?وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا. وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا? [النّبأ: 9 - 11] ، وقال تعالى: ?وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا? [الفرقان: 47] ، وقال تعالى: ?اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا? [غافر: 61] .

لذلك كان جديرًا بالصّائمِ بعد أنْ يسّر اللهُ له حظَّه مِنْ قيامِ اللّيلِ أن يتركَ السّهَرَ والسّمَرَ ويُبادِرَ إلى النّومِ التماسًا للسُّحورِ فإنّ فيه بركةً (10) ، ولشهودِ الخيراتِ، ومِنْ أعظمِها قدْرًا عند اللهِ الصّلواتُ في أوقاتِها ومع الجماعةِ، فقد سُئِلَ النّبيُّ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟» ، قَالَ: «الصَّلاَةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» (11) ، وتضييعُ الصّلواتِ عنْ وقتِها خطرٌ عظيمٌ ينبغي الحذرُ منه ومِنْ تفويتِها بنومٍ أو بغيرِه مِنَ المنافعِ المباحةِ، بلْهَ إذا كان التّشاغُلُ عنها بشيءٍ مِنَ الذّنوبِ والمعاصي، فإنّ الجريمةَ أكْبَرُ وأعْظَمُ، وقد رتّب اللهُ تعالى الوعيدَ الشّديدَ على إضاعةِ الصّلواتِ والغفلةِ عنها، فقال تعالى: ?فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا? [مريم: 59] ، وقال تعالى: ?فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ? [الماعون: 4 - 5] ، ولم يرخِّصْ النّبيُّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم للضّريرِ في أنْ يصلِّيَ في بيتِه فقال له: «لاَ أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (12) ، وغيرُه ممّنْ لا عُذْرَ له مِنْ بابٍ أَوْلى.

وإذا كانتِ الصّلاةُ أهَمَّ ركنٍ بعد التّوحيدِ، فهي عمادُ الدّينِ الذي يقوم عليه، فلا يُعْقَلُ صومٌ بلا صلاةٍ ولا صلاةٌ بلا صومٍ؛ لأنّ الواجباتِ المفروضةَ تمثِّل وحدةً متماسِكةً لا تقبل التّجزِئةَ، فهي كالبنيانِ المرصوصِ يشدّ بعضُه بعضًا، لذلك يَبْعُدُ أنْ يكونَ صومُ المفرِّطِ في الصّلاةِ بالتّضييعِ والتّركِ امتثالًا لأمرِ اللهِ، بل صيامُه أقربُ إلى تقليدِ النّاسِ أو متابعةٍ لأهلِه أو محاكاةٍ لأهلِ بلدِه، لأنّ الممتثِلَ خائفٌ مِنَ الوعيدِ، وراجٍ لرحمةِ اللهِ تعالى، يصومه إيمانًا بأنّ اللهَ تعالى

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت