فهرس الكتاب

الصفحة 8860 من 20085

رابعا: أن هذا الإجماع المتوهم معارض بإجماع قديم منقول على عذر المسلمين الواقعين في الشرك جهلا نقله ابن حزم رحمه الله، حيث قال في الفصل (3/ 253) :"وبرهان ضروري لا خلاف فيه وهو أن الأمة مجمعة كلها، بلا خلاف من أحد منهم وهو أن كل من بدل آية من القرآن عامدا وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك، أو أسقط كلمة عمدا كذلك أو زاد فيها كلمة عمدا، فإنه كافر بإجماع الأمة كلها، ثم إن المرء يخطئ في التلاوة فيزيد كلمة وينقص أخرى، ويبدل كلامه جاهلا مقدرا أنه مصيب، ويكابر في ذلك ويناظر قبل أن يتبين له الحق، ولا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافرا ولا فاسقا ولا آثما، فإذا وقف على المصاحف أو أخبره بذلك من تقوم الحجة بخبره، فإن تمادى على خطئه فهو عند الأمة كافر بذلك لا محالة، وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة".

خامسا: ومن أغرب ما قرأته لبعض الغلاة في تقرير هذا الإجماع أن الخلاف إنما أحدثه بعض المعاصرين من خريجي الكليات الشرعية وأصحاب الرسائل الجامعية وأنهم لبسوا على الناس هذا الأمر بكلام ابن تيمية وزعم صاحب"المجهر" (ص11) أن أصحاب هذه الرسائل انحرفوا عن المنهج العلمي وجعلوا النصوص محكومة بآراء العلماء.

والحقيقة أن من أهم الفروق بين أصحاب الدراسات الجامعية وأصحاب الكتابات الأخرى، أن أصحاب الدراسات الجامعية معروفة أعيانهم ويتمتعون باستقلالية في الفكر ويكتبون بطريقة منهجية تعصمهم من التناقض، وأصحاب الكتابات الأخرى مجهولون (أو يكتبون بأسماء مستعارة) وكتاباتهم متسمة بالتقليد وتسير على منهج"اعتقد ثم استدل"ولذلك يظهر الانحراف والتناقض فيها جليا، وربما التزم أصحابها لوازم شنيعة تبرأ منها الشريعة ومنها ما سبق بيانه في الشبهات السابقة.

ولو كنت بصدد نقد كتاب معين لبينت من تلك التناقضات والانحرافات المنهجية الشيء الكثير، وقد سبق بيان تحريفات صاحب الجواب المفيد وأبين في هذا المقام بعضا منها، وزعم صاحب المجهر في مقدمته (ص11) أنه لا ينقل إلا عن أهل السنة، ثم نقل في باب"الردة من كتب السلف" (205) عن أبي بكر الحصني الشافعي صاحب غاية الاختصار المشهور بعدائه للسنة وأهلها، ولا أدري لو اطلع على كتاباته في العقيدة هل كان يعذره أم لا؟ وفي الباب الرابع: قسم الفصل الأول: الذي خصصه لرد الشبه المستدل بها خطأ من القرآن إلى ثلاث شبهات وإلى ثلاثة مباحث على النحو الآتي: الشبهة الأولى، المبحث الأول، المبحث الثاني، الشبهة الثانية، الشبهة الثالثة، المبحث الثالث!! فلا الشبهات اندرجت تحت المباحث والمباحث اندرجت تحت الشبهات. والأمر نفسه كرره في الفصل الثاني. وجعل فصلا لتحقيق مذهب ابن تيمية وابن عبد الوهاب في العذر بالجهل، ولم يذكر من كلام ابن عبد الوهاب شيئا من نصوصه الآتي ذكرها إلا نصا واحدا هو حجة عليه (286) ومهمة من يقول الدراسة المجهرية وأنه يحقق كلام عالم من العلماء في المسألة أن يستوعب نصوصه أو على الأقل تلك التي يمسك بها من ينفي العذر بالجهل.

وذكر صاحب"عارض الجهل"فصلا عنوانه:"أدلة القرآن الكريم على عدم اعتبار الجهل والتقليد عذرا في مسائل التوحيد لمن بلغه القرآن"، وذكر أدلة كلها فيها نظر وجلها لا تنطبق على عنوان الفصل لأنه خص عدم العذر في العنوان لمن بلغه القرآن ثم أورد الأدلة التي يوردها غيره لإثبات كفر المشركين قبل بعثة النبي صلى الله عليه ولم! وأن ثبوت وصف الكفر لا يحتاج إلى إقامة حجة (أي بلوغ القرآن) ، ومن تلك الأدلة قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:137) وبعضها يستدل به على كفر من تولى وأعرض كقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) (الأنبياء:24) .

وعندما أراد أن ينقل كلام محمد بن عبد الوهاب (ص233) نقل كلاما من الدرر السنية (1/ 142) وهو كلام حسين وعبد الله ابنا الشيخ محمد كما في (10/ 142) فأخطأ في العزو وفي المعزو إليه. ونقل كلاما آخر من الدرر (10/ 333) وهو كلام حمد بن ناصر بن معمر كما في (10/ 336) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت