ومما يشيعه بعض الناس في بعض البلاد أن العقيدة لابد أن تتلقى بالإسناد في إشارة منهم إلى إسناد معين في منطقة محددة ليست أرض الحجاز منها ولا الشام ولا مصر ولا العراق، وجواب هذا: إذا كان الإسناد المطلوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنعم المطلوب، وأما إذا كان إلى غيره فإنا نقول إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وإن الله تعالى لم يبعث أحدا بعده والعلماء المجددون لا يختصون بعصر من العصور أو بلد من البلدان، وإن من أعظم الجهالة أن يفرض على أهل الدنيا أن يأخذوا العقيدة من أهل قرية واحدة سندهم لا يتصل وأهلها مختلفون.
الشبهة الحادية عشر: نسبة التكفير إلى ابن تيمية
من الشبهات التي يلبَّس بها على كثير من الناس نسبة القول بالتكفير إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، الإمام الثقة المحقق الذي كتب الله تعالى لكلامه القبول عبر العصور، وذكرنا من قبل أن بعض الغلاة اضطربوا لظهور الرسائل الجامعية التي جمعت شتات كلام ابن تيمية ووضحت منهجه بجلاء، وقد اضطربوا أيضا في تأويل كلامه وصرفه عن ظاهره، وقبل بيان فساد تلك التأويلات ننقل شيئا من كلامه في إثبات العذر بالجهل.
من نصوص ابن تيمية في العذر بالجهل
ينبغي أن يعلم أن كلام ابن تيمية في بيان العذر بالجهل ودلائله وأحواله كثير جدا لا يسعه مقال مختصر لكن نذكر ما يفهم به موقفه ويحصل به اليقين بإذن الله تعالى.
1 -قال ابن تيمية في الرد على البكري (2/ 494) :"ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية و النفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم كفر و أنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال وكان هذا خطابا لعلمائهم و قضاتهم و شيوخهم وأمرائهم و أصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح و المعقول الصريح الموافق له وكان هذا خطابنا، فلهذا لم نقابل جهله وافتراءه بالتكفير بمثله".
2 -قال ابن تيمية في بغية المرتاد (311) :"وبينا أن المؤمن الذي لا ريب في إيمانه قد يخطئ في بعض الأمور العلمية الاعتقادية فيغفر له كما يغفر له ما يخطئ فيه من الأمور العملية، وأن حكم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله، كما قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وأن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ، كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة".
3 -قال بعد أن ذكر مقالات الباطنية في بغية المرتاد (1/ 353 - 354) :"فهذه المقالات هي كفر لكن ثبوت التكفير في حق الشخص المعين موقوف على قيام الحجة التي يكفر تاركها وإن أطلق القول بتكفير من يقول ذلك فهو مثل إطلاق القول بنصوص الوعيد مع أن ثبوت حكم الوعيد في حق الشخص المعين موقوف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه، ولهذا أطلق الأئمة القول بالتكفير مع أنهم لم يحكموا في عين كل قائل بحكم الكفار بل الذين استمحنوهم وأمروهم بالقول بخلق القرآن وعاقبوا من لم يقل بذلك إما بالحبس والضرب والإخافة وقطع الرزق بل بالتكفير أيضا، لم يكفروا كل واحد منهم وأشهر الأئمة بذلك الإمام أحمد وكلامه في تكفير الجهمية مع معامتله مع الذين امتحنوه وحبسوه وضربوه مشهور معروف".
4 -قال في مجموع الفتاوى (11/ 401) وقد سئل عمن يزعم سقوط التكاليف الشرعية عنه:"لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه. وهو شر من قول اليهود والنصارى"وذكر رحمه الله تعالى ألوانا من الموبقات التي يستبيحها هؤلاء الناس ثم قال (11/ 406) :"لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جهلا يعذر به فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وقال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه؛ أو لم يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا؛ بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية"
(يُتْبَعُ)