أقول هذا -كلَّه- بعد تقرير حقيقة علميّة مُعتبرةٍ؛ وهي:
أنَّ لتغيُّر الزَّمان والمكان أثرًا مُباشرًا في تغيُّر معاني المصطلحات، ودلالاتها، وآثار مفاهيمها:
فـ (التطرُّف) -في أصل معناه اللغويِّ- مأخوذٌ مِن: طَرَف الشيء؛ فإمّا أن يكونَ ابتداءه، وإمّا أن يكونَ نهايته، وهو -بجهتيه- بعيدٌ عن أن يكون قريبًا مِن الوسط -كما هو مفهومُ كلام الإمام الجَصّاص في «أحكام القرآن» (3/ 550) -؛ على حدِّ قول الشاعر:
لا تَغْلُ في شيءٍ من الأمر واقتصدْ
كِلا طَرَفي قَصْد الأمور ذَميمُ
فالأصل البعيد عن طرفيه هو الوسطُ الحقُّ العدلُ؛ الذي هو سِمَةُ هذه الأمّةِ المحمّدية وسَمْتُها؛ كما قال ربُّنا ذو الجلال: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطًا لتكونوا شُهداء على الناس ويكونَ الرسول عليكم شهيدًا} ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: «إيّاكم والغُلُوَّ في الدين؛ فإنما أَهلك مَن كان قبلكم: الغُلُوُّ في الدين» .
و (الغُلُوُّ) : مُجاوزة الحَدِّ الشرعيِّ، و (التطرُّف) -بمعناه اللغويِّ- داخلٌ -ولا شَكّ- بهذا المعنى الشرعيّ (العامّ) -الذي يَجبُ الحَذَرُ منه، والتحذيرُ عنه- ...
وحقيقةُ البحث المنصِف: ليس في هذا المعنى اللغويّ العامّ -الذي هو أصلٌ-؛ وإنما هو في المعنى الاصطلاحي المُعاصر الذّائع؛ الذي يربطُ التطرُّف بالعنف، ويربطُه بالتكفير، ويربطُه بمجانَبَة الأمن والأمان ...
فالتطرُّف -بالمعنى اللغوي العامّ- ليس ذا صِلَةٍ بالدين الإسلامي -فقط-، ولا بالمسلمين عُمومًا أو فئاتٍ مُعَيّنةٍ منهم -حَسْبُ-؛ بل هو عامٌّ في سائر الأفكار، والأديان، والمذاهب.
ولا تخفى على أحدٍ تلك المصطلحاتُ السياسيةُ المُعاصرةُ، المرتبطةُ بالأحزاب اليمينيّة -أو اليساريّة- المتطرّفة -عند اليهود، أو النصارى-، بل حتّى عند الشيوعيين!
فمِن الظلمِ البَيِّن: الخَلْطُ القبيحُ بين التطرُّف -بمعناه اللغويّ العامّ-، وبين التطرُّف -بمعناه الاصطلاحي المُعاصر-؛ بحيث يظنُّ العامّةُ، أو يتوهّم (الخاصةُ) : أنّ كلَّ مُواقعٍ لشيء مِن ذاك التطرُّفِ اللغويِّ -إن سلَّمْنا بمُواقِعتهِ حقًّا وصدقًا! - مُواقعٌ للتطرُّفِ الاصطلاحي بمعناه المذموم الشائع الذائع
-عُنفًا، وتكفيرًا، وتفجيرًا-.
وإذِ الأمرُ على ما نَبَّهْتُ؛ وأنّ موضعَ الخَلْطِ مرتبطٌ بذكر اختيارات فقهيّة (سُنِّية) معيّنة؛ أفلا يستطيعُ الطرفُ المقابلُ لجهةِ الاتِّهام أن يعكسَ الصورةَ، ويقلبَ التهمَة -سواءً بسواءٍ- ليؤولَ المُتَّهِمُ مُتَّهَمًا، والمُتَّهَمُ مُتَّهِمًا؛ مُعلِّلًا فعلَه بأنَّ المبدأَ واحدٌ؛ وذلك لترجيح مُقابلهِ -فقط- رأيًا يُخالفُهُ!!
فهل هذه الحالةُ الاتهاميّةُ الجائرةُ، وهذا التلاسنُ الظالم: ينفعُ الأمّة، ويُفيد المجتمع؛ أم أنّه -حالًا أو مآلًا- سببٌ أكبرُ لتفكُّكهِ وتفكيكهِ، وطريقٌ أسرع إلى تَلَجْلُجهِ وتشكيكهِ؟!
بل إنّي (أخشى) أن أقولَ -مِن جهةٍ أخرى -تأصيليّة-:
إنّ اعتبار ترجيحِ بعض مسائل الفقه الخلافية، أو اختيارها: تطرُّفًا؛ هو التطرُّفُ بعينهِ!! وذلك لِمَا يحمِلهُ مِن إقصاءٍ للآخَر، يتعدّى مجرّدَ ادّعاءِ حق الصواب -فقط-؛ إلى التشكيكِ بالمقاصد، وأصول الأفعال والأقوال ...
ولسنا نُريد -بذاك الاعتبار الجائر- أن نرجعَ بالأُمّةِ - ونحن في مُفْتَتَح القرن الحادي والعشرين - إلى بعض صُور التاريخ المظلمة، التي عانت منها الأمةُ -كثيرًا- بسبب هذا (التطرُّف!) المشؤوم؛ كمثل ما كان يُفتي به بعض قُضاة القرون الخوالي: مِن عدم تزويج المرأة الحنفيّة مِن الرجل الشافعيِّ إلا إذا أنزلناها منزلةَ أهل الكتاب!! فعكس آخرون قولَهم عليهم -بتطرُّف مُضَادٍّ-؛ بقول قائلهم: لو كان لي الأمرُ لأخذت مِن الشافعيّة الجزيّةَ!!
وأهلُ الإنصاف من الشافعيّة والحنفيّة -فضلًا عن غيرهم من مُنتسبي العلم الشرعي، ومذاهب أهل السنّةِ - أبرياءُ مِن ذلك، وبُرآء ممّا هنالك ...
وحتّى لا نُخلي المقامَ مِن بعض الأمثلة العلمية: أذكُرُ (صُورًا) مِن المسائل الفقهيّة (الخلافيّة=السُّنِّية) التي وسَمَها (كاتبو) كتاب «التطرُّف؛ حقيقته، وبواعثه، ومظاهره، وعلاجه» بالتطرُّف!! فجانَبَوا فيها الحَقَّ، وجانَفُوا الصواب:
(يُتْبَعُ)