فهرس الكتاب

الصفحة 1628 من 20085

1 -ذكروا: (التعصُّب للرأي، والغلظة في التعامل، وسوءَ الظنّ بالناس) !! وهذه -لا شَك- أخلاق ذميمة، وسلوكيات غير مستقيمة؛ ولكنْ: هل هي خاصَّةٌ بفئةٍ من الناس -ولا أقول: من الدعاة، أو: طلبة العلم- دون فئة؟! أم أنَّها -وللأسف- شاملةٌ لكُلِّ أحد -مُقِلاًّ كان أم مُكثرًا-!؟

بل حتى المُتلبِّسُ بها -في لحظةِ صفاءٍ- قد يُنكرها ويستنكرها ...

ورحم اللهُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية -القائلَ-: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا مَن كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمُرُ به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه» . . .

فَمَنْ خالَفَ هذا التأصيل -مِن قريبٍ أو بعيد- فلا يَلومنَّ إلا نفسه، ولا يجوزُ -كيفما كان الأمرُ- أنْ يُلْحَق به غيرُهُ -أفرادًا أو جماعاتٍ- ظُلمًا وتجنِّيًا!

2 -ذكروا -من مظاهر التطرُّف-: (ربط بعض السلوكيَّات بالبدعة) ، وأوردوا على ذلك بعضَ الأمثلةِ؛ منها: (الاحتفال بالمولد النبوي) !

ولا أريد من ذكر هذا المثالِ -فضلًا عمَّا بعده- ترجيحَ قولٍ على قولٍ -فالمقامُ ليس مقامَه-؛ ولكنِّي أريد الإشارةَ إلى أنَّ هذه المسائلَ فيها مِن الخلافِ العلميِّ مجالٌ ومقال، فهل العلماءُ القائلون بها متطرِّفون؟! وأيُّ (الطرفين) -منهما- الأَوْلى بوصف التطرُّف؟!

فالاحتفال بالمولد: أنكره غيرُ واحدٍ من العُلَماء؛ منهم: تاج الدين الفاكهاني، المتوفى سنة (734هـ) ، وابن الحاج المالكي، المتوفى سنة (737هـ) ، وأبو عبدالله الحفَّار، المتوفى سنة (811هـ) -وغيرهم-.

فهل هم من المُتطرِّفين؟!

3 -وذكروا -أيضًا- مِن أمثلة (التطرُّف) : إنكار الصلاة على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بعد الأذان!

وقد أنكرها عددٌ من العُلماء -قديمًا وحديثًا-؛ منهم: العلامة ابن حجر الهَيْتَمي، المتوفى سنة (973هـ) ، وشيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت، المتوفى سنة (1383هـ) ، -وغيرهما-.

فهل هما من المتطرفين؟!

4 -وذكروا -أيضًا- من أمثلة (التطرُّف) : إنكار المصافحة بعد فراغ المصلِّي من صلاته، وقول: تقبَّل الله!

وقد أنكرها العلامة إدريس التركماني -من علماء القرن الثامن-، وابن زَرُّوق، المتوفى سنة (899هـ) .

5 -وذكروا -أيضًا- غفر الله لهم- مِن (مظاهر زعزعة المتطرِّفين لأفكار المسلمين) : (محاربة المذهبيَّة) !

ولا شَكَّ أنَّ هذه المحاربة باطلةٌ مُنكَرةٌ -لو وُجدت! -؛ لكنِّي أخشى أن يكونَ (كاتبو) الكتاب قد خلطوا بين (المذهبيَّة) العلميَّة المنضبطة، وبين (التَّعصُّب المذهبيّ) الّذي تقدَّم ذِكرُ بعض آفاتهِ ومصائبهِ -مما يجبُ مُحاربتهُ ونبذه- حقًَّا-. . .

ورحم الله الإمام الشافعيَّ القائل: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقولوا بسنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ودعوا ما قلت» ، ومِنه قولُه -رحمه الله-: «إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي» .

6 -وذكروا من ذلك -أيضًا-: عدم التفريق بين البدعة الحسنة، والبدعة السيِّئة!

ويكفي أن نعلم -لردِّ كلامهم- أنَّ الإمام أبا إسحاق الشاطبي -المتوفى سنة (790هـ) ألَّفَ كتابًا كبيرًا في مئات الصفحات، سمَّاه: «الاعتصام» ؛ أقامه لنفي هذا التفريق بدلائل اللغة والأصول، وقواعد العلم والشريعة.

وبَعْدُ:

فإنَّ ما ذكره (كاتبو) كتاب «التطرُّف» -مما ليس هو من التطرُّف في شيء! - كثيرٌ وكثيرٌ جدًَّا، وكلُّهُ -وللأسَف- سارٍ على نَسَق هذه الأمثلةِ (الفقهية) التي ذكرتُها عنهم، ونقضتُها لهم -ممَّا يقولُ به بعض العُلَماء، أو يذهبُ إليه بعضُ الأئمة الفقهاء-. . .

وأُكرّر: أنِّي لستُ أريد ممَّا ذكرتُ ترجِيحَ رأيٍ على آخَرَ، أو الانتصارَ لقولٍ على نقيضهِ، ولكنِّي أردتُ التأكيدَ على أنَّ هذا الصنيعَ خَلْطٌ شنيع: ينقُضُ -وللأَسَف- ما ينبغي أنْ تتآلفَ عليه القلوبُ -وإنْ اختلفت شيئًا ما- ردًَّا للتطرُّفِ الفظيع المُتَرَبِّص بكُلِّ ما لا ينتمي إليه -على اختلاف طرائقه وتوجُّهاتِه-، وحرصًا على مصالح الأمّةِ، وأمنها، وأمانها، وإيمانها: أن تغتالها تلكم الأيدي الآثمةُ التي تظنُّ أنّها على شيءٍ! وليست هي على شيءٍ!!

هذا هو واجبُ الوقت -لِزامًا-؛ بدلًا من هذا الخلط والتنبيش والتحريش؛ المُؤدّي إلى الخبط والتهويش والتشويش، والذي لا يستفيد منه -في الحالِ أو المآل- إلا (المتطرِّفون) ، ولا يخسَر بسببهِ إلا المسلمون الصالحون الحريصون!!

فأين عند (أولئك=الكاتبين) ميزان المصالح والمفاسد -إذن-؟!

{إن أُريد إلاّ الإصلاحَ ما استطعتُ وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلتُ وإليه أُنيبُ} .

وبخاصَّة أنَّ (كاتبي) كتاب «التطرُّف» -وفقهم الله- حَرَصوا -جدًّا- ونحن معهم- على إظهار أهميَّة أقوال أئمّة المذاهب، ومكانتِها؛ فَلِمَ العَمَلُ بخلاف الدعوى؟!

أم أنَّ هذه الأقوالَ -المُدَّعى عليها التطرُّف- ليست من أقوال عُلماء المذاهب؟!

أم أنَّها من مذاهِبَ غيرِ معتبرة؟!

{ربَّنا افتحْ بيننا وبين قومِنا بالحقِّ وأنتَ خيرُ الفاتحين}

{والله يقول الحقَّ وهو يهدي السبيلَ} . . .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت