فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ كَأَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُطِيعٌ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهُوَ مُعْتَدٍ فِي حُدُودِهِ، كَمَا انْتَصَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ؛ كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ؛ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ غَلِطَ فِيمَا أَتَاهُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْجِهَادِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِنْ صَلَاحِهِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ؛ وَنَهَى عَنْ قِتَالِهِمْ مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَقَالَ: {أَدُّوا إلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حُقُوقَكُمْ} . وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ، وَتَرْكُ قِتَالِ الْأَئِمَّةِ، وَتَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْأَهْوَاءِ - كَالْمُعْتَزِلَةِ - فَيَرَوْنَ الْقِتَالَ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ، وَيَجْعَلُ الْمُعْتَزِلَةُ أُصُولَ دِينِهِمْ خَمْسَةً: التَّوْحِيدَ: الَّذِي هُوَ سَلْبُ الصِّفَاتِ؛ وَالْعَدْلَ: الَّذِي هُوَ التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ؛ وَالْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَ إنْفَاذَ الْوَعِيدِ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ، الَّذِي مِنْهُ قِتَالُ الْأَئِمَّةِ.
وَقَدْ تَكَلَّمْت عَلَى قِتَالِ الْأَئِمَّةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ: فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، أَوْ تَزَاحَمَتْ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا، فِيمَا إذَا ازْدَحَمَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَتَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ. فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ - وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ - فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ الْمَصَالِحِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ: لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ؛ بَلْ يَكُونُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ؛ لَكِنَّ اعْتِبَارَ مَقَادِيرِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ هُوَ بِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ، فَمَتَى قَدَرَ الْإِنْسَانُ عَلَى اتِّبَاعِ النُّصُوصِ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا، وَإِلَّا اجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ لِمَعْرِفَةِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَقَلّ أنْ تًعوزَ النُّصُوصُ مَنْ [لَا] يَكُونُ خَبِيرًا بِهَا وَبِدَلَالَتِهَا عَلَى الْأَحْكَامِ.
وَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الشَّخْصُ أَوْ الطَّائِفَةُ جَامِعَيْنِ بَيْنَ مَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ، بِحَيْثُ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا؛ بَلْ إمَّا أَنْ يَفْعَلُوهُمَا جَمِيعًا؛ أَوْ يَتْرُكُوهَا جَمِيعًا: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرُوا بِمَعْرُوفِ وَلَا أَنْ يُنْهُوا مِنْ مُنْكَرٍ؛ بل يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَكْثَرَ: أُمِرَ بِهِ، وَإِنْ اسْتَلْزَمَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ، وَلَمْ يُنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ يَسْتَلْزِمُ تَفْوِيتَ مَعْرُوفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ؛ بَلْ يَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالسَّعْيِ فِي زَوَالِ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَزَوَالِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ.
(يُتْبَعُ)