فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بهوية الانتساب الإيماني إلى سلطان عظيم ذي قدرة مطلقة". (1) "
الانتسابية
وبهذا المعنى فسَّرَ رحمه الله سِرَّ بدء الأعمال كلها في الإسلام بـ"بسم الله الرحمن الرحيم". يقول:"إن الذي يتحرك ويسكن، ويصبح ويمشي بهذه الكلمة"بسم الله"كمن انخرط في الجندية، يتصرف باسم الدولة، ولا يخاف أحدا، حيث إنه يتكلم باسم القانون، وباسم الدولة، فينجز الأعمال ويثبت أمام كل شيء" (2) .. فهذا التشبيه البليغ مقصود للدلالة على الطبيعة الوظيفية، للخدمة التعبدية التي بها فقط ينال المسلم شرف الانتساب الإيماني، ذلك أنه -كما يقول رحمه الله-"يرقى إلى مقام الضيف الكريم في هذا الكون، وإلى مقام الموظف المرموق فيه، رغم أنه ضئيل وصغير بل هو معدوم، وذلك بسموّه إلى مرتبة خطاب ?إِيَّاكَ نَعْبُدُ? أي: انتسابه لمالك يوم الدين، ولسلطان الأزل والأبد". (3)
ومن هنا كان الإيمانُ الْمُبَلِّغُ إلى مقام الانتساب انخراطًا وظيفيًّا في حركة الجمال، حيث عمل النورسي على تحسيس طلاّبه بالذوق الانتمائي للإسلام، وتجديد مفهوم الصفة الإسلامية التي أبْلتْها العادات الاجتماعية، وطمستها الظلمات الإلحادية الزاحفة. (4)
ثم إن الناظر في النصوص الشرعية المتضمنة لمفهوم"الانتساب"في القرآن الكريم والسنة النبوية، يجد أن لله عز وجل في مناداة الإنسان وتسميته باعتبار"النسبة"ثلاثة أحوال: الأولى أن ينسبه إلى جِبِلَّتِه وطبيعته الخِلقية، فيسمّيه"الإنسان". والثانية أن ينسبه إلى أبيه؛ فيسمّيه"ابن آدم"و"بني آدم". والثالثة أن ينسبه إليه تعالى فيسمّيه"عبدا"، أو"عبدي"أو"عبادي". ووحدها هذه النسبة الأخيرة تكون في سياق المحبة الإلهية العالية للعباد. فلا يذكر الإنسان بوصفة عبدا إلا للدلالة على حب الله له؛ إذ العبودية محبة متبادلة بين الرب الأعلى والمخلوق الأدنى.
لماذا"الإنسان"؟
ولبيان تفرد وصف الناس"بالعباد"بمعاني المحبة والتقريب، نذكر خلاصة مركزة عن كل من التسمية"بالإنسان"، والمناداة بـ"بني آدم": ففي الأولى يسمي الله الإنسان"إنسانا"في سياق الابتلاء، وتحميله المسؤولية والأمانة. وهي عبارة ذات وقع حيادي على نفس المتلقي والقارئ للقرآن. ولذلك كانت أوضح الآيات في هذا المعنى قول الله عز وجل: ?إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا? (الأحزاب:72) . فبقيت عبارة"الإنسان"في القرآن محملة بهذه الدلالة، ومشحونة بهذا الإيحاء. إنه إذن صاحب أمانة؛ أمانة تكليف واستخلاف. ولا أمانة إلا وهي تلقي على صاحبها تبعات كبرى، أقلّ ما فيها المتابعة والمحاسبة.
ومن هنا كان بتحمله الأمانة ظلوما لنفسه، جهولا بخطورة ما تحمل وتقلد. فكان الحكم الابتدائي عليه بالخسران، لأنه راهن على شيء أكبر من حجمه؛ فلا ينجو من حيث هو"إنسان"إلا على سبيل الاستثناء ?وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ? (العصر:1 - 3) . وهو استثناء ثقيل يحمل -بعد الإيمان والعمل الصالح- شروطا ثقيلة: التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وتلك هي خلاصة الأمانة. فالإنسان إذن مخلوق مغلول إلى التزامه، مرتهن بقضيته ?وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا? (الإسراء:13) ، ?أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى? (القيامة:36) . بل هو ملزم بالسير الدائم إلى ربه، سير تتخله المشاق والصعاب؛ لأنه يشق طريقا تخالف ما تشتهيه نفسه البشرية، من دَعَةٍ وملذات دنيوية ورغبات حيوانية؛ ولذلك عبر الله عز وجل عن هذا المعنى بـ"الكدح"، وفي ذلك ما فيه من الإيحاء بمشقة السير، ووعورة الطريق؛ قال سبحانه ?يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ? (الانشقاق:6) .
(يُتْبَعُ)