فإذا أردنا وضع مدونة للفقه ملزمة للقضاة فلا بد أن تكون مفصلة المسائل معتمدة على الوصفية في صياغتها لتكون أوضح في الدلالة على الوقائع , رابطة كل مسألة بدليلها مباشرة , كما ينبغي تنحية القواعد الفقهية عن أن تكون مواد حاكمة أو الإشارة إليها على أنها مصدر لأي من هذه المسائل.
وبهذا الشكل لن تتعرض المدونة القضائية لاختلاف كبير في فهم مسائلها شأنها في ذلك شأن كتب الفقه المطولات التي لا يختلف المختصون في الفقه في فهم مسائلها ,وبذلك نقطع قول من قال إن تدوين الفقه القضائي لن يرفع الخلاف وسنجد أنفسنا محتاجين إلى تفسير المدونات كما فعل ويفعل أهل القانون مع موادهم القانونية.
هذا ما عن الفقه.
أما القانون فإن مواده مصوغة على شكل قواعد كلية وهذه المواد ليست وصفية كمسائل الفقه بل عامة مجردة وقصد بتجريدها خلوها من الشروط والصفات التي قد تؤدي إلى تطبيقها على شخص بذاته وهذا مخالف للمسألة الفقهية التي تتقيد دائما بالشروط والصفات التي تؤدي فعلا إلى مطابقتها لأحوال أفراد الناس.
أما عموم المادة القانونية فيعني أنه يندرج تحتها العديد من المسائل المختلفة الصور.
وهذه السمة العامة لمواد القانون هي التي تجعل القانونيين يختلفون في تفسير المواد وتجعل القضاة أيضا يختلفون في فهمها ويضطرون أحيانا على البرهنة على صحة فهمهم بما يتناسب واتجاهاتهم من الكتب التي اعتنت بتفسير القانون يضاف إلى ذلك أن المادة القانونية هي دليل بذاتها وحين يخرج القاضي عنها لأي سبب من الأسباب فلا بد أن يستدل لخروجه بمادة أخرى من مواد القانون.
ويوجد في القانون ما يسمى بالقواعد القانونية وهي أيضا مواد في القانون نفسه ولكنها تكون أكثر عموما من المواد الأخرى بحيث يستعان بها على فهم المواد التفصيلية.
ومن هنا يظهر أن التقنين أصبح علما على منهج محدد المعالم في صياغة الفقه الوضعي وهو يختلف كليا عما نطالب به من تدوين الأحكام الفقهية الشرعية والإلزام بها , وعليه فإنني أنادي بعدم استخدام مصطلح التقنين كمرادف لتدوين الأحكام لأن الواقع يقضي بعدم الترادف فقد انتقلت كلمة القانون من مصطلح عام يتلكم به علماء العرب ليعبروا به عن الترتيب الدقيق إلى مصطلح خاص يعني كتابة النظم القضائية على وجه مخصوص ولا بد لنا أن نذعن لهذا الواقع اللغوي ولا نصر على الخلط بينهما سيما وأن هذا الخلط سوف يفضي حتما لا تقديرا إلى مشكلات كبيرة لو قدر أن تمت الموافقة السامية في بلادنا على التقنين بهذا اللفظ
وآمل أن ييسر الله تعالى لمن هم ألصق بالقانون من الباحثين للكتابة في هذه القضية كتابة مستفيضة مدعمة بالأمثلة والبسط
وهذا رابط لمن أراد مشاهدة تلك الندوات
ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [04 - Sep-2009, مساء 02:53] ـ
بارك الله فيك يا دكتور ..
وقد تابعت الحلقات .. وكانت لي مداخلة في البرنامج ومما يعضد قولك: أن قضية التقنين لها أصول ومصادر لا تتفق مع مصادر التشريع لدينا .. وإذا كنا سننتزع الاسم منهم ونصبغه بصبغتنا فلا فائدة من استعمال ذلك الاسم أبدًا .. بل يزيد ذلك من الإشكالات الذهنية والواقعية ..
وصورة المسألة يجب أن تكون كما عبرت في مداخلتي: الإلزام بمدونة قضائية موحدة.
ـ [من صاحب النقب] ــــــــ [05 - Sep-2009, صباحًا 01:09] ـ
و هل يجوز الإلزام بمدونة قضائية؟ حتى لو كانت باجتهاد صحيح و ليست تبديلًا لأحكام الله كما هو الواقع المعاصر
ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [05 - Sep-2009, صباحًا 04:08] ـ
الذي عندي .. أن الأصل عدم جوازه .. وإنما يجوز إذا رأى الإمام مصلحته ظاهرة ظهورًا يدعو للخروج عن الأصل .. أو كان الإلزام بمذهب الحاكم ويكون المعينون في القضاء نوابه ...
ـ [د محمد السعيدي] ــــــــ [05 - Sep-2009, صباحًا 05:57] ـ
أخي أبو فهر تقول:
أو كان الإلزام بمذهب الحاكم ويكون المعينون في القضاء نوابه ...
وأقول: وهو عندي كذلك وأكثر من كتب عن الإلزام استدل بكون القضاة نوابا للحاكم