فهرس الكتاب

الصفحة 6094 من 20085

ففي هذا البحث المختصر، سأحاول - على ضيق من الوقت - تسليط الضوء على شمولية الحضارة الإسلامية من حيث إلزاميتها، ومن حيث الأطياف والمجالات التي غطتها، كحضارة إلهية، قبل أن تكون حضارة إنسانية، وسبق الحضارة الإسلامية في جميع تلك المجالات التشريعية والمعرفية للحضارات الأخرى، واقتباس الحضارة الغربية ومدى تأثرها بها.

رسالة الإسلام تشمل الثقلين:

لقد تميزت رسالة الإسلام بأنها رسالة للثقلين، ورسالة لكافة الشعوب والمتدينين بكافة الأديان، بخلاف الرسائل الأخرى، فقد كان كل نبي إنما يبعث إلى قومه، فبعث هود عليه السلام إلى قومه، وصالح عليه السلام إلى ثمود، وموسى وعيسى عليهما السلام لبني إسرائيل.

أما رسالة الإسلام فهي عامة، عامة لمن أرسلت إليه، وعامة في مضمونها، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} . [سبأ/ 27] ، وقال جل مجده: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} . [الأعراف/ 158] ، وقال: {تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للناس نذيرا} . [الفرقان/ 1] ، وقال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} . [سبأ/ 28] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري (335) ، ومسلم (521) وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا:"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصَل، وأحلت لي الغنائم، ولم تُحل لأحد قبلي، وأإعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة". وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (1/ 250) عن ابن عباس مرفوعا:"بعثت إلى الناس كافة: الأحمر والأسود".

وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم (153) عن أبي هريرة رضي الله عنه:"لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار".

ولذلك فمنذ ازدهار العصر المدني، واظب النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله على إرسال رسائل الدعوة ووفودها لمختلف قبائل الجزيرة العربية، ثم منها إلى إمبراطوريات فارس، والرومان، والأقباط، وملوك الغساسنة، والحبشة ... إلخ، مبشرا بهذا الدين الحنيف الذي ضم بين جنبيه تلك الحضارة الإسلامية العظيمة.

وما وصل خبر الدعوة إلى الشعوب حتى استنفرت تؤمن بتلك الرسالة الخالدة، وتستنجد جيوش الإسلام ضد طغاتها وجبابرتها، فانتشرت الفتوح شرق الأرض وغربها في سرعة أدهشت العالم، فما تم القرن الهجري الأول حتى امتد الإسلام من الصين شرقا إلى الأندلس غربا، امتداد حكم، وامتداد دين وحضارة وقيم. وصدق الحق تعالى حيث قال: {إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} . [النصر/ 1 - 3] .

ومن مقتضى ذلك: هيمنة الإسلام دينا وتشريعا على جميع الأديان، ونسخه لها، فما نص عليه هو المعول، وما أحله هو الحلال، وما حرمه هو الحرام، ذلك أنه نتاج تراكمات حضارية سابقة بقيت في اللاشعور الإنساني، ودين اليسر والانفتاح الذي انقضى عنده الوحي، وضمن الحق تعالى له التجديد أبد الآباد. قال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} . [المائدة/ 48] ، وقال تعالى أيضا: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} . [الحجر/ 9] ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما ورد بطرق يصحح بعضها بعضا علي بن أبي طالب عليه السلام مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". ومن موجبات الحفظ والتصحيح، الاستمرار والصلاحية لكل زمان ومكان.

ومنه: أن الشرائع الإلهية واجبة التطبيق على المتدين بالإسلام وعلى غير المتدين به، وهو حكم جمهور الفقهاء، ولذلك فإن ما ورد من تحريم المحرمات وتحليل الحلال، غير مقتصر ذلك في الدولة الإسلامية على المسلمين فحسب، بل يتعدى في الوجوب إلى غير المسلمين، فلا يجوز لهم المجاهرة بما حرم الله تعالى من الزنا، والخمر، والربا، وغير ذلك مما قد لا يكون محرما في شريعتهم الخاصة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت