وَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يَجُوعَ أَوْ يَعْطَشَ فَلَا يُسَوِّي بَيْنَ الْخُبْزِ وَالشَّرَابِ وَبَيْنَ الْمِلْحِ الْأُجَاجِ وَالْعَذْبِ الْفُرَاتِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا وَيَقُولَ: هَذَا طَيِّبٌ وَهَذَا لَيْسَ بِطَيِّبِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ كُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَنَهَى عَنْ الْخَبِيثِ. وَإِذَا عَرَفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْقِ هُوَ أَنَّ مِنْ الْأُمُورِ مَا يَنْفَعُ وَيُوجِبُ اللَّذَّةَ وَالنَّعِيمَ وَمِنْهَا مَا يَضُرُّ وَيُوجِبُ الْأَلَمَ وَالْعَذَابَ فَبَعْضُ هَذِهِ الْأُمُورِ تُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَبَعْضُهَا يُدْرِكُهُ النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ لِأُمُورِ الدُّنْيَا. فَيَعْرِفُونَ مَا يَجْلِبُ لَهُمْ مَنْفَعَةً فِي الدُّنْيَا وَمَا يَجْلِبُ لَهُمْ مَضَرَّةً وَهَذَا مِنْ الْعَقْلِ الَّذِي مُيِّزَ بِهِ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ عَوَاقِبِ الْأَفْعَالِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الْحِسُّ وَلَفْظُ الْعَقْلِ فِي الْقُرْآنِ يَتَضَمَّنُ مَا يَجْلِبُ بِهِ الْمَنْفَعَةَ وَمَا يَدْفَعُ بِهِ الْمَضَرَّةَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى بَعَثَ الرُّسُلَ بِتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ فَدَلُّوهُمْ عَلَى مَا يَنَالُونَ بِهِ النَّعِيمَ فِي الْآخِرَةِ وَيَنْجُونَ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ هُوَ كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ وَالنَّعِيمِ وَالْعَذَابِ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ هَذَا الْفَرْقَ فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ أَزَالَ عَقْلَهُ هُوَ بِهِ مَعْذُورٌ وَإِلَّا كَانَ مُطَالِبًا بِمَا فَعَلَهُ مِنْ الشَّرِّ وَتَرَكَهُ مِنْ الْخَيْرِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ قَدْ يَزُولُ عَقْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَعَاطَى مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ: كَالْخَمْرِ وَكَسَمَاعِ الْأَصْوَاتِ الْمُطْرِبَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقْوَى حَتَّى يَسْكَرَ أَصْحَابُهَا وَيَقْتَرِنَ بِهِمْ شَيَاطِينُ فَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي السَّمَاعِ الْمُسْكِرِ، كَمَا يَقْتُلُ شُرَّابُ الْخَمْرِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إذَا سَكِرُوا وَهَذَا مِمَّا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَحْوَالِ؛ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْمَقْتُولُ شَهِيدٌ. وَ"التَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمَقْتُولَ يُشْبِهُ الْمَقْتُولَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُمْ سَكِرُوا سُكْرًا غَيْرَ مَشْرُوعٍ؛ لَكِنَّ غَالِبَهُمْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنْ أَحْوَالِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ فَيَبْقَى الْقَتِيلُ فِيهِمْ كَالْقَتِيلِ فِي الْفِتْنَةِ وَلَيْسَ هُوَ كَاَلَّذِي تَعَمَّدَ قَتْلَهُ وَلَا هُوَ كَالْمَقْتُولِ ظُلْمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ هَذَا الْفَنَاءُ يَزُولُ بِهِ التَّكْلِيفُ؟ قِيلَ: إنْ حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ سَبَبٌ يُعْذَرُ فِيهِ زَالَ بِهِ عَقْلُهُ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانِ سُكْرًا لَا يَأْثَمُ بِهِ كَمَنْ سَكِرَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ أُوجِرَ الْخَمْرَ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ السُّكْرُ لِسَبَبِ مُحَرَّمٍ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَاَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ وَغَيْرِهِ كَلِمَاتٍ مِنْ الِاتِّحَادِ الْخَاصِّ وَنَفْيِ الْفَرْقِ وَيَعْذُرُونَهُ فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّهُ غَابَ عَقْلُهُ حَتَّى قَالَ: أَنَا الْحَقُّ وَسُبْحَانِي وَمَا فِي الْجُبَّةِ إلَّا اللَّهُ. وَيَقُولُونَ: إنَّ الْحُبَّ إذَا قَوِيَ عَلَى صَاحِبِهِ وَكَانَ قَلْبُهُ ضَعِيفًا يَغِيبُ بِمَحْبُوبِهِ عَنْ حُبِّهِ وَبِمَوْجُودِهِ عَنْ وَجْدِهِ وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى يَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ وَيَبْقَى مَنْ لَمْ يَزَلْ ويحكون أَنَّ شَخْصًا أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي الْمَاءِ فَأَلْقَى مَحَبَّةَ نَفْسِهِ خَلْفَهُ. فَقَالَ:"
(يُتْبَعُ)