فهرس الكتاب

الصفحة 10262 من 20085

ولا مأمون على الناس فيما اشتبه عليهم"."

قال الشيخ أبو عبد الله ابن بطة -رضي الله عنه: قد اقتصرت يا أخي صانك الله من صفة الفقيه على ما أوردت وكففت عن أضعاف ما أردت فإني ما رأيت الإطالة بالرواية في هذا الباب متجاوزة ما قصدنا من جواب المسئلة. نعم -أيضا- وتهجين لنا وسبة علينا وغضاضة على الموسومين بالعلم والمتصدرين للفتوى من أهل عصرنا مع عدم العالمين لذلك والعاملين به. فأسأل الله أن لا يمقتنا فإنا نعد أنفسنا من العلماء الربانيين والفقهاء الفهماء العارفين ونحسب أنا أئمة متصدرون علما وفتيا وقادة أهل زماننا ولعلنا عند الله من الفاجرين ومن شرار الفاسقين فقد روي عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال:"إنا نتكلم بكلام أحسب أن الملائكة تستحسنه ولعلها تلعن عليه".

وروي أن قائلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله من شر الناس فقال:"اللهم غفرا, شر الناس العلماء إذا فسدوا"1 وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال:"يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا إسمه ومن القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خربة من الهدى, علماؤهم شر من تحت أديم السماء, من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود".

وقال عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم"يا معشر الحواريين, الحق أقول لكم: إن الدنيا لا تصلح إلا بالملح, والطعام لا يطيب إلا به, فإذا فسد الملح فسد الطعام وذهبت المنفعة به. وكذلك العلماء ملح الأرض لا تستقيم الأرض إلا بهم وإذا فسد العلماء فسدت الأرض".

وقال سفيان بن عيينة:"قدم عبيد الله بن عمر الكوفة فلما رأى اجتماعهم عليه قال: نسيتم العلم وأذهبتم نوره لو أدركني وإياكم عمر لأوجعنا ضربا".

هذا-رحمكم الله- قول عبيد الله بن عمر رحمه الله ن اجتمع عليه من طلبة العلم وهم: سفيان الثوري وابن عيينة وأبو إدريس الخولاني, وحفص بن غياث ونظراؤهم فما ظنك بقوله لو رأى أهل عصرنا فنسأل الله صفحا جميلا, وعفوا كبيرا, فيا طوبى لنا إن كانت موجبات أفعالنا أن نوجع ضربا فإني أحسب كثيرا ممن يتصدر لهذا الشأن يرى نفسه فوق الذين قد مضى وصفهم ويرى أنهم لو أدركوه لا حتاجوا إليه وأمموه. ويرى أن هذه الأفعال منهم والأقوال المأثورة عنهم كانت من عجزهم وقلة علمهم وضعف نحائزهم, الله المستعان فلقد عشنا لشر زمان. فقد حدثنا أبو محمد السكري حدثنا أبو يعلى الساجي حدثنا الأصمعي قال سمعت سفيان بن عيينة قال:"إذا كنت في زمان يرضى فيه بالقول دون الفعل والعلم دون العمل فاعلم بأنك في شر زمان بين شر الناس".

ولقد روي عن حبر من أحبار هذه الأمة وسيد من سادات علمائها أنه قال:"ما أرى أن يعذب الله هذا الخلق إلا بذنوب العلماء".

ال أبو عبد الله عبيد الله بن محمد- ومعنى ذاك: والله أعلم- أن العالم إذا زل عن المحجة, وعدل عن الواضحة, وآثر ما يهواه على ما يعلمه وسامح نفسه فيما تدعوه إليه زل الناس بزلله, وانهمكوا مسرعين في أثره يقفون مسلكه ويسلكون محجته. وكان ما يأتونه ويرتكبونه من الذنوب وحوبات المأثم بحجة, وعلى اتباع قدوة فلا تجري مجرى الذنوب التي تمحى بالاستغفار, ومرتكبها بين الوجل والإنكسار, فالمقتدون به فيها كالسفينة إذا غرقت غرق بغرقها خلق كثير وجوهر خطير أضعاف ثمنها وقيمتها بأضعاف مضاعفة. والله أعلم. انتهى كلام الإمام العكبري رحمه الله وقدس روحه وجزاه عنا وعن المسلمين خيرًا كثيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت