فهرس الكتاب

الصفحة 1033 من 20085

قد بين القاشاني في تعريفه السابق أن معنى الوجود عند الصوفية يختلف عن أهل النظر والفلاسفة حيث قال: (( وذلك أن الوجود عنده هذه الطائفة ليس ما يفهمه أرباب العلوم النظرية من المتكلمين والفلاسفة ) )، فالوجود عند أهل النظر ينقسم إلى وجودين وجود الله تعالى (( الواجب أو واجب الوجود ) )، ووجود المخلوقات (( الممكن أو الموجودات ) )، فما هو الوجود عند الصوفية الجواب كما قاله القاشاني قال: (( يعني به عدم انقسامه إلى واجب والممكن ) )، فالوجود عند الصوفية لا ينقسم إلى قسمين كما هو الحال عند أهل النظر بل هو واحد كم قال الغزالي.

ويبين القاشاني سبب اختلاف الصوفية مع أهل النظر وهو أن أهل النظر يعتقدون أن الوجود عرض أي زائل وهو يعني هنا وجود المخلوقات، أما الصوفية فالوجود عندهم هو (( ما به تحقق حقيقة كل موجود ) )، وحقيقة كل موجود عندهم هو الله عز وحل حيث قال: (( وذلك لا يصح أن يكون أمرًا غير الحق عز شأنه ) )فهذه نظرة خواص الصوفية للوجود بشكل عام.

والوجود أو الذات كما يسمى أيضا لها اعتباران عند الصوفية فالاعتبار الأول هو أن تجمع الأسماء والحقائق أي تجمع الاسم (( أي موجود ) )وحقيقته (( أي الله ) )وهذا يسمى عندهم بالجمع أي الحق بلا خلق، وهذا الاعتبار يخص الوجود جيمعه أو كله، وليس تعين أو موجود واحد.

والاعتبار الثاني أن الحقائق أو الموجودات أو التعينات هي عين الله عز وجل أو عين الذات أو عين الوجود، فالله والذات والوجود أسماء لمسمى واحد فحتى في حال الفرق يكون كل موجود أي تعين؛ عين الله، فلذلك قال القاشاني في نهاية هذا الاعتبار: (( فكان الوجود عين الذات بهذا ) ).

ونذكر الآن أقوال الصوفي الصريحة في هذا المعنى قال ابن عربي: (( فإن العارف مَنْ يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء ) ) [فصوص الحكم ص 192] ، فالعارف عند ابن عربي من يرى الله عين كل شيء وصرح هنا ابن عربي حتى لا يفهم من عبارته (( الحق في كل شيء ) )المرتبة الثالثة من مراتب التوحيد أو الفناء فصرح أن الحق (( عين كل شيء ) )حتى لا يلتبس على القارئ المعنى الذي يريده ابن عربي.

ولم يكن هذا النص الوحيد الذي يصرح فيه ابن بوحدة الوجود فقد قال في تفسيره لآية: {فإينما تولوا فثم وجه الله} قال: ابن عربي: (( {فأينما تولوا} أي أيّ جهة تتوجهون من الظاهر و الباطن {فثمة وجه الله} أي ذات الله المتجلية بجميع صفاته أو ولله الإشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم والغروب فيها بتستره واحتجابه بصورها وذواتها واختفائه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء فأيّ جهة تتوجهوا حيئذ فثم وجه لم يكن شيء إلا إياه وحده {إن الله واسع عليم} جميع الوجود شامل لجميع الجهات والموجودات {عليم} بكل العلوم والمعلومات ... ) ) [ص 43/ 1] .

فابن عربي هنا يقول: أي وجه تتوجهون لها فهي ذات الله تعالى لأنه عين كل شيء، وحتى يوضح أن هذه المرتبة تسبقها مرتبة أخرى وهي المرتبة الثالث وحدة الشهود فقال: (( أو ولله الإشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم والغروب فيها بتستره واحتجابه بصورها وذواتها واختفائه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء فأيّ جهة تتوجهوا حيئذ فثم وجه لم يكن شيء إلا إياه وحده ) )ففي هذه المرتبة لا يشهد واحد بل يشهد الصورة التي احتجب الله بها وإن كان في الظاهر هو يشهد صورا إلا أن هذه الصور هي حجاب الحق يراها الفاني صورا لأنه لم يرتق إلى المرتبة الرابعة فإذا زاد فناءه وارتقى للمرتبة الربعة علم أن الوجود واحد وأن الله تعالى عبارة عن جميع الجهات والموجودات لذلك قال: (( {إن الله واسع عليم} جميع الوجود شامل لجميع الجهات والموجودات ) ).

ولقد صرح ابن عربي بهذه العقيدة في شعره فقال:

ظننت ظنونًا بأنك أنتَ ** وما أن تكون ولا قطٌ كنتَ

فإن أنت أنت فإنك ربٌ ** وثاني اثنين دع ما ظننتَ

فلا فرق بين وجوديكما ** فما بان عنك و لا عنه بنتَ

فإن قلت جهلًا بأنك غيرٌ ** خشنت وإن زال جهلك لنتَ

فوصلك هجر وهجرك ** وصل وبعدك قربٌ بهذا حسنتَ

دع العقل وافهم بنور انكشا ** لئلا يفوتك ما عنه صنتَ

ولا تشرك مع الله شيئًا ** لئلا تهون وبالشرك هنتَ

[الرسالة الوجودية ص 42]

وقال أيضًا:

عرفت الرب بالرب ** بلا شك ولا ريب

فذاتي ذاته حقًا ** بلا نقص ولا عيب

ولا غيران بينهما ** فنفسي مظهر الغيب

ومن عرفته نفسي ** فلا مرجٍ ولا شوب

وصلت وصول محبوبٍ ** بلا بعدٍ ولا قرب

ونلت عطاء ذي قدم ** بلا من ولا سبب

ولا فنيت له نفسي ** ولا تبقى لذوي ذوب

ولكن قد تعرت منك ** عن عبد وعن رب [الرسالة الوجودية ص 44]

وقال أيضًا:

الحق عين الخلق إن كنت ذا عين ** والخلق عين الحق إن كنت ذا عقل

وإن كنت ذا عين وعقل فما ترى ** سوى عين شيء واحد فيه بالكل

[المعرفة ص 87]

فهذه مقدمة مختصر لنظرية وحدة الوجود كما يعتقدها أرباب التصوف ومقدميهم ذكرناها مدخلا لموضوعنا الأصلي وهو مفهوم الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر السابقة لوحدة الوجود حيث الشيخ تناول هذا الموضوع في كتابه (( أبو العباس المرسي ) )فخلط بين وحدة الشهود ووحدة الوجود أو بين المرتبة الثالثة والمرتبة الرابعة إما عن تأثره بعلم الكلام أو إخفاء حقيقة وحدة الوجود (( عقيدة الخواص ) )عند الناس وتلميعها، وهذا ما سيتضح من خلال المبحث التالي بالتعليق على كلامه، وقبل التعليق نسرد كلامه بحروفه حتى تتضح الصورة للقارئ الكريم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت