فهرس الكتاب

الصفحة 10364 من 20085

والثاني: أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى بحيث ترجع إلى معنى واحد، فيكون التفسير فيها على قول واحد، ويوهم نقلها على اختلاف اللفظ أنه خلاف محقق، كما قالوا في السلوى: إنه طير يُشبِهُ السماني، وقيل: طير أحمر صفته كذا، وقيل: طير بالهند أكبر من العصفور، وكذلك قالوا في المن: شيء يسقط على الشجر فيؤكل، وقيل صمغة حلوة، وقيل: الترنجبين، وقيل: مثل رب غليظ، وقيل: عسل جامد، فمثل هذا يصح حمله على الموافقة وهو الظاهر فيها.

والثالث: أن يذكر أحد الأقوال على تفسير اللغة، ويذكر الآخر على التفسير المعنوي، وفرق بين تقرير الإعراب وتفسير المعنى، وهما معًا يرجعان إلى حكم واحد؛ لأن النظر اللغوي راجع إلى تقرير أصل الوضع، والآخر راجع إلى تقرير المعنى في الاستعمال، كما قالوا في قوله تعالى: {وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِين} [الواقعة: 73] ، أي: المسافرين، وقيل: النازلين بالأرض القواء وهي القفر، وكذلك قوله: {تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة} [الرعد: 31] ، أي: داهية تفجؤهم، وقيل: سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشباه ذلك.

والرابع: أن لا يتوارد الخلاف على محل واحد، كاختلافهم في أن المفهوم له عموم أولا، وذلك أنهم قالوا: لا يختلف القائلون بالمفهوم أنه عام فيما سوى المنطوق به، والذين نفوا العموم أرادوا أنه لا يثبت بالمنطوق به، وهو مما لا يختلفون فيه أيضًا، وكثير من المسائل، على هذا السبيل فلا يكون في المسألة خلاف، وينقل فيها الأقوال [على] على أنها خلاف.

والخامس: يختص بالآحاد في خاصة أنفسهم، كاختلاف الأقوال بالنسبة إلى الإمام الواحد، بناء على تغير الاجتهاد والرجوع عما أفتى به إلى خلافه، فمثل هذا لا يصح أن يعتد به خلافًا في المسألة؛ لأن رجوع الإمام عن القول الأول إلى القول الثاني اطراح منه للأول ونسخ له بالثاني، وفي هذا من بعض المتأخرين تنازع، والحق فيه ما ذكر أولًا، ويدل عليه ما تقدم في مسألة أن الشريعة على قول واحد، ولا يصح فيها غير ذلك، وقد يكون هذا الوجه على أعم مما ذكر كأن يختلف العلماء على قولين ثم يرجع أحد الفريقين إلى الآخر، كما ذكر عن ابن عباس في المتعة وربا الفضل، وكرجوع الأنصار إلى المهاجرين في مسألة الغسل من التقاء الختانين، فلا ينبغي أن يحكى مثل هذا في مسائل الخلاف.

والسادس: أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم، كاختلاف القراء في وجوه القراءات، فإنهم لم يقرؤوا به على إنكار غيره، بل على إجازته والإقرار بصحته، وإنما وقع الخلاف بينهم في الاختيارات، وليس في الحقيقة باختلاف، فإن المرويات على الصحة منها لا يختلفون1 فيها.

والسابع: أن يقع تفسير الآية أو الحديث من المفسر الواحد على أوجه من الاحتمالات، ويبني على كل احتمال ما يليق به من غير أن يذكر خلافًا في الترجيح، بل على توسيع المعاني خاصة، فهذا ليس بمستَقِرِّ خِلافٍ؛ إذِ الخلاف مبنيٌّ على التزام كل قائل احتمالًا يعضِّدُهُ بدليل يرجحه على غيره من الاحتمالات حتى يبني عليه [دون غيره] ، وليس الكلام في مثل هذا.

والثامن: أن يقع الخلاف في تنزيل المعنى الواحد، فيحمله قوم على المجاز مثلًا وقوم على الحقيقة، والمطلوب أمر واحد، كما يقع لأرباب التفسير كثيرًا في نحو قوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَي} [يونس: 31] ، فمنهم من يحمل الحيات والموت على حقائقهما، ومنهم من يحملهما على المجاز، ولا فرق في تحصيل المعنى بينهما، ونظير هذا قول ذي الرمة:

وَظَاهِرٌ لَهَا مِنْ يَابِسِ الشَّخْتِ

وبائس الشخت، وقد مر بيانه، وقول ذِي الرُّمَّةِ فيه: إن"بائس"و"يابس"واحد.

ومثل ذلك قوله: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيم} [القلم: 20] ، فقيل: كالنهار بيضاء لا شيء فيها، وقيل: كالليل سوداء لا شيء فيها؛ فالمقصود شيء واحد وإن شبه بالمتضادين اللذين لا يتلاقيان.

والتاسع: أن يقع الخلاف في التأويل وصرف الظاهر عن مقتضاه إلى ما دل عليه الدليل الخارجي، فإن مقصودَ كلِّ متأوِّلٍ الصرف عن ظاهر اللفظ إلى وجه يتلاقى مع الدليل الموجب للتأويل، وجميع التأويلات في ذلك سواء، فلا خلاف في المعنى المراد، وكثيرًا ما يقع هذا في الظواهر الموهمة للتشبيه [قلت: هذا على مذهب النفاة، لا السلف الصفاتية مثبتي الصفات الخبرية] ، وتقع في غيرها كثيرًا أيضًا، كتأويلاتهم في حديث خيار المجلس بناء على رأي مالك فيه، وأشباه ذلك.

والعاشر: الخلاف في مجرد التعبير عن المعنى المقصود وهو متحد؛كما اختلفوا في الخبر: هل هو منقسم إلى صدق وكذب خاصة، أم ثَمَّ قسمٌ ثالث ليس بصدق ولا كذب؟:

فهذا خلاف في عبارة، والمعنى متفق عليه، وكذلك الفرض والواجب يتعلق النظر فيهما مع الحنفية بناء على مرادهم فيهما.

قال القاضي عبد الوهاب في مسألة"الوتر أواجب هو؟":"إن أرادوا به أن تركه حرام، يُجَرَّحُ فاعله به، فالخلاف بيننا وبينهم في معنًى يصح أن تتناوله الأدلة، وإن لم يريدوا ذلك، وقالوا: لا يحرم تركه ولا يجرح فاعله، فوصفه بأنه واجب خلافٌ في عبارة لا يصح الاحتجاج عليه":

وما قاله حق؛ فإن العبارات لا مشاحَّة فيها، ولا ينبني على الخلاف فيها حكم، فلا اعتبار بالخلاف فيها.

هذه عشرة أسباب لعدم الاعتداد بالخلاف، يجب أن تكون على بال من المجتهد، ليقيس عليها ما سواها، فلا يتساهل فيؤدي ذلك إلى مخالفة الإجماع )) . الموافقات: 5/ 210 - 218

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت