وهل المراد أ عنده غذاء يوم وعشاه؟ أم المراد أنه يكسب قوت يوم بيوم، فيجد غذاءه وعشاءه على دائم الأوقات؟
لعل هذا هو الأرجح والأليق، فمثل هذا هو الذي يجد من رزقه المتجدد ما يغنيه عن ذل السؤال.
العلاج
والعلاج العلمي هنا يتمثل في أمرين:
الأول: تهيئة العمل المناسب لكل عاطل قادر عل العمل، وهذا واجب الدولة الإسلامية نحو أبنائها، فما ينبغي لراع مسؤول عن رعيته أن يقف مكتوف اليدين أمام القادرين العاطلين من الموطنين، كما لا يجوز أن يكون موقفة منهم بصفة دائمة اليد بمعونة، قلت أو كثرت، من أموال الصدقات. فقد ذكرنا في مصادر
الزكاة قوله عليه الصلاة والسلام:"لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي"وكل إعانه مادية تعطى"لذي مرة سوي"
ليست في الواقع إلا تشجيعا للبطالة من جانب، ومزاحمة للضعفاء والزمني والعاجزين في حقوقهم من جانب أخر.
والتصرف السديد الواجب هو ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزاء واحد من هؤلاء السائلين، فعن أنس بن مالك أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم، يسأله فقال: أما في بيتك شىء؟ قال: بلى: حلس (الحلس: كساء يوضع على ظهر البعير أو يفرش في البيت تحت حر الثياب) ، نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب (والقعب: القدح أو الإناء) . نشرب فيه الماء، قال: ائتني بهما فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال من يشترى هذين؟ قال رجل: أنا أخذهما ببدرهم، وقال: من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثا ـ قال رجل: أنا أخدهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين. وأعطاهما الأنصارى وقال: أشتر بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشترى بالأخر قدوما فائتني به، فشد رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده ثم قال له: أذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا فذهب الرجل يحتطب، ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع"والفقر المدقع: الشديد وأصله من الدقعاء وهو التراب ومعناه: الفقر الذى يقضي به إلى التراب، أي لا يكون عنده ما ينقي به التراب"أو لذي غرم مفظع"والغرم المفظع: أن تلزمة الدية الفظيعة الفدحة، فتحل له الصدقة ويعطى من سهم الغارمين"أو لذي دم موجع"الدم الموجع: كناية عن الدية يتحملها، فترهقة وتوجعه، فتحل له المسألة فيها"."
الإسلام سبًاق دائماَ
وفي هذا الحديث الناصع نجد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرذ للأنصاري السائل أن يأخذ من الزكاة وهو قوي على الكسب، ولا يجوز له ذلك إلا إذا ضاقت أمامة المسالك، وأعيته الحبل، وولي الأمر لابد أن يعينه في إتاحة الفرصة للكسب الحلال وفتح باب العمل أمامه.
إن هذا الحديث يحتوى خطوات سباقة سبقّ بها الإسلام
ـ إنه لم يعالج السائل المجتاح بالمعونة المادية الوقتية كما يفكر كثيرون. ولم يعالج بالوعظ انمجرد والتنفير من المسألة كما يصنع أخرون. ولكنه أخذ بيده في حل مشكلته بنفسه وعلاجها بطريقة ناجحة.
ـ وعلمه أن كل يجلب رزقًا حلالًا هو عمل شريف كريم. ولو كان احتطاب حزمة يجتلبها فيبيعها، فيكف الله بها وجهه أن يراق ماؤه في سؤال الناس.
ـ وأرشده إلى العمل الذي يناسب شخصه وقدرته وظروفه وبيئته وهيًا له"آلة العمل"الذي أرشده إليه، ولم يدعه تأئهًا حبرانًا
ـ وأعطاه فرصة خمسة عشر يومًا يستطيع أن يعرف منه بعدها مدى ملاءمة هذا العمل له ووفاءه بمطالبة"فيقره عليه"أو يدبر له عملًا آخر.
ـ وبعد هذا الحل العملي لمشكلته لقنه ذلك الدرس النظري الموجز البليغ في دائرتها، وما احرانا أن نتبع نحن هذه الطريقة النبوية الرشيدة! فقبل أن نبدىء ونعيد في محاربة التسول بالكلام والإرشاد، نبدأ أولًا بحل المشاكل، وتهيئة العمل لكل عاطل.
دور الزكاة
ودور الزكاة هنا لا يخفى، فمن أموالها يمكن إعطاء القادر العاطل ما يمكنه من العمل في مصارف الزكاة، ومنها يمكن أن يدرب على عمل مهني يحترفه ويعيش منه، ومنها يمكن إقامة مشروعات جماعية
ـ مصانع أو متاجر أو مزارع ونحوها ـ ليشتغل فيها العاطلون وتكون ملكًا لهم بالاشتراك، كلها أو بعضها.
الأمر الثاني: أعني ثاني الأمور التي يتمثل فيها العلاج العملي للمسألة والتسول في نظر الإسلام هو ضمان المعيشة الملائمة لكل عاجز عن اكتساب ما يكفيه وعجزه هذا السببين
ـ إما لضعف جسماني يحول بينه وبين الكسب لصغر السن وعدم العائل كما في اليتامى، أو لنقص بعض الحواس أو بعض الأعضاء أو مرض معجز ... الخ، تلك الأسباب البدنية التي يبتلى المرء بها ولا يملك إلى التغلب عليها سبيلًا، فهذا يعطى من الزكاة ما يغنيه جبرًا لضعفه، ورحمة بمعجزه، حتى لا يكون المجتمع عونًا للزمن عليه، على أن عصرنا الحديث قد استطاع أن ييسر بواسطة العلم لبعض ذوي العاهات كالمكفوفين وغيرهم، من الحرَف والصناعات ما يليق بهم، ويناسب حالتهم، ويكفيهم هوان السؤال، ويضمن لهم العيش الكريم، ولا بأس بالإتفاق على تعليمهم وتدريبهم من مال الزكاة.
ـ والسبب الثاني العجز عن الكسب هو انسداد أبواب العمل الحلال في وجه القدرين عليه، رغم طلبهم له، وسعيهم الحثيث إليه، رغم محاولة ولي الأمر إتاحة الكسب لهؤلاء، فهؤلاء ـ ولا شك ـ في حكم العاجزين عجزا جسمانيًا مقعدًا، وأن كانوا يتمتعون بالصحة والقوة لأن القوة الجسمية وحدها لا تطعم ولا تغني من جوع، ما لم يكن معها اكتساب.
وقد روى الإمام أحمد وغير قصة الرجلين اللذين جاءا يسألان النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة فرفع فيهما البصر وخفضه فوجدهما جلدين قويين فقال لهما:"إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغنى"ولا لقوي مكتسب"فالقوي المكتسب هو الذي لا حق له في الزكا"