فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
_ لا شأن لي بروائح الجثث، رائحة"الفراخ"الموشكة على التفحُّم تكفيني همًّا ..
قالتها وهمَّت بالعودة إلى مملكتها، فإذا به يخاطبها باستفزاز:
_ لقد أصبح تفكيرك أضيَق من معبر رفح، لكن لسانك صار أطول من صواريخ القسَّام! لكنني لا أستغرب هذه اللامبالاة من جانبك، فاسمك"فتحية"، ولعله مشتق من"فتْح"..
تسمّرت في مكانها عند سماع هذه الكلمات .. ثم استدارت نحوه، وقالت له بكل برودة دم:
_ ما دام الأمر كذلك؛ لك القطاع، ولي الضِّفَّة!
ثم دخلت مملكتها الملتهبة، وأوصدت الباب بعنف شديد، اهتزّ له القصر الرئاسي ...
وظل الأمر على هذه الحال ... أبو لاشي"يقاوم"، وفتحية تغادر البيت بعد الفجر، وتحشر نفسها في زحمة"الأوتوبيس"، وتخاطب"اللي يسوى واللي مايسواش"، حتى تصل إلى مصنع النسيج قبل الثامنة .. وأبو لاشي"يقاوم"في جزيرته ..
ظل الأمر على هذه الحال .. إلى أن جاء اليوم"اللي ما يتسمّاش"، كما يحلو لفتحية تنعته كلّما ذَكَرتْه أو تذكَّرتْه ...
في ذلك اليوم"المهبّب"، عادت فتحية إلى البيت -على غير عادتها- قبل السابعة مساءً. ولشدة إنهاكها، فتحت الباب ببطء رافقه هدوء غير مقصود، فلم يتنبَّه لدخولها أبو لاشي .. وبمجرَّد أن تجاوزت العتبة"الهباب"هي الأخرى، سمعت زوجها يصرخ:"الله أكبر! الله أكبر!"فاتجهت رأسًا إلى غرفة الجلوس .. نظرت إلى زوجها، الذي أخذ منه وقع المفاجأة كل مأخذ، ثم أدارت بصرها إلى التلفاز .. وهنا، استولى عليها الذهول، ودارت بها الأرض، وكاد يُغمى عليها ...
وما كان لأحد أن يلوم فتحية .. فقد شاهدت على الشاشة"بأمِّ عينيها"-وخالتهما وعمّتهما- مباراةً في كرة القدم! ودقَّقت النظر، فاكتشفت أن أحد الفريقين يشبه"الأهلي"، أمّا الآخر فلا يُشبه"الزمالك"إطلاقًا .. وهذا هو اللغز الذي لم تجد له تفسيرًا! وبينما هي غارقة في حيرتها الغاضبة وغضبها المحتار، نطق المقاوم الصنديد منافحًا عن قضيته:
_ هدِّئي من روعك يا"وليَّة"! لعلك تتساءلين عن علاقة ما أنا فيه بمقاومتي الباسلة ضد الاجتياح الصهيوني الغاشم .. أليس كذلك؟
لكنها، من فرط حيرتها وارتباكها وحنقها، لم تنبس فتحية ببنت شفة ولا ببنت جارتها .. ولمهارته الفائقة في فن المناورة والتكتيك الحربي، لجأ إلى وسيلة"الإرباك"، فباغتها قائلَا:
_ ما لك يا هانم؟ ألم تعلمي أنَّ الرياضة جزء من مقاومتنا الباسلة؟ هل نسيت أخي وعزيزي"أبو تريكة"ومناصرته لأهالي غزّة؟ أنا لا تهمُّني كرة القدم .. لا يهمّني لا الأهلي ولا الزمالك ...
وهنا قاطعتْه فتحية قائلة بلؤم:
_ أعرف ذلك. فالذي يهمّك هو"النادي الإسماعيلي"وبسسس ....
أحس أنها أصابته في الصميم؛ لكنه لم يستسلم، وغادر مخبأه .."عاري الصدر"،"ممشوق القامة"، وراح يمشي نحوها .. وبعد خطوة واحدة، صرخ في وجهها:
_ لا تقاطعي المقاوم حين يتكلّم! مفهوم؟
ثم خفض صوته قليلا، وأضاف:
_ كل الذي يهمّني في مباراة كرة القدم هو: اللحظة التي ينبري فيها أحد إخواننا أمام كاميرات العالم، ويعلن -على طريقته- مساندته لنا ...
ثم راح يبرهن على صدق دعواه بالحجج القاطعة المفحمة، كما قال ... وبينما هو كذلك، اقتربت فتحية من الشاشة، وقرأت في أعلاها: مانشستر يونايتد 0/ شلسي 1!! وهنا دارت بها الأرض"سبع دورات"، وأضافت الثامنة من عندها مجَّانًا لهول الصدمة ..
لاحظ أبو لاشي صدمتها، فبادر إلى إنقاذ الموقف بتكتيك حربي آخر يسمّيه:"العلاج بالصدمة"، وصرخ في وجهها:
_ يا جاهلة! يا أمِّيَّة! يا"بتاعت البتوع"! الآن فقط تأكدتُ أنك في الضفة .. الأخرى من العالَم! ألم تدركي بعدُ أنّ اللاعبين العرب والمسلمين يلعبون في معظم الأندية الأوروبية؟ ابتعدي قليلا عن الشاشة حتى لا تفقد أفكاري تسلسلها!
لم تستجب فتحية لطلبه، فغيَّر هو"موقعه الاستراتيجي".. ثم ألصق عينيه على المستطيل الأخضر، وأضاف قائلا:
(يُتْبَعُ)