فهرس الكتاب

الصفحة 10531 من 20085

لكن حماسه سرعان ما انقلب إلى خيبة، لأنّ عيون الجزيرة كانت أوّل ما اختطفه العدوّ ضمن ما اختطف من"أسطول الحرية"... و"أبو لا شي"يؤمن إيمانًا أعمى أنه لا خبر بلا صورة، ولا إعلام دون كاميرا ... كيف إذن سيقاوم مثلما قاوم من قبل؟ كيف يوصل المساعدات إلى أهل غزة؟ وكيف يدكّ بعينيه الثائرتين أبواب رفح والجدار الفولاذي؟ كيف؟

وتذكّر ابنَ عمه"متولّي"، الذي اشترى تلفازًا جديدًا منذ بضعة أيّام لمتابعة مباريات كأس العالم في أدق تفاصيلها، وانكبّ يشرح له أنّ هذا التلفاز من طراز"أل سي ديه"وأنّ شاشته تغطّي جدار صالونه كاملا، الجدار الرابع ... ولكي يغيظه أكثر، كان يضغط على اللام من"أل سي ديه"، ويظل يكرّرها، ثم يلفظ بقية الحروف عندما يوشك نفَسه على الانقطاع ... وهذا الخبث أثار حفيظة"أبو لا شي"، فغلت دماؤه الثورية، وكاد ينفجر ... ولو لم يكونا في المياه الدولية الواقعة في مقهى"الغلابى"، لتصرّف مع ابن عمّه تصرّفًا آخر، ولقاده مكبّلا إلى بيته، واحتجزه هناك ليشاهد معه مباريات كأس العالم على تلفازه هو، لا تلفاز"الأللللللللللللللللللللللللللل ل سي ديه"...

ثم عاد"أبو لاشي"إلى الواقع، وتذكّر أنّ الواجب يناديه. وفي هذه اللحظة الحاسمة من عُمْر انتفاضته الثانية، عقد اجتماعا طارئا مع نفسه تحت"البطّانية"... وبعد ساعة من التداول، والتشاور، والحل والعقد .. اتخذ بالإجماع قرارًا من شأنه أن يقلب موازين القوى في المنطقة، ويغيّر وجه التاريخ؛ تاريخه ...

ولأنّ القرار الجماعي الذي اتخذه مع نفسه في غاية السرّيّة، أردفه بقرار آخر يقتضي تحريم مفاتحة"فتحية"بالموضوع إلى أن يأتي الوقت المناسب.

وغادر البيت، ولم يَعُد إلا صبيحة اليوم الموالي ...

وقبل أن يطرق طرقاته المعتادة، وهي: 3 - 5 - 1، انفتح الباب، فوجد نفسه وجهًا لوجه مع فتحية، وحينئذ، شارك كلٌّ منهما في"الاتجاه المعاكس"...

_ خير إن شاء الله؟ أقلقني غيابك .. أمضيت الليل كله بين أقسام الشرطة بحثًا عنك. وبكيت حتى انهدّ بدني ...

_ اسكتي يا"وليّة"! الوقت لا يتسع للعواطف. غزة تنادي، وقد اتخذت القرار الذي يُمليه الواجب.

_ غزة مرّة أخرى؟ الحمد لله أننّا مقبلون على الصيف، وإلاّ لتحجّجت أيضًا بالمطر ...

_ لا تلتفتي إلى الوراء؛ المقاومة إقدام وكرّ ...

_ وما هو قرارك هذه المرّة؟ هل سترابط وراء الوسادة، مدجّجًا بكؤوس الشاي؟

_ لا ... هذا جزء من الماضي ... واللبيب هو من لا يكرّر أخطاءه. انظري.

سحب من جيبه جواز سفره، ورماه على المائدة، شامخًا مشمخرًّا ...

_ ولماذا تريني جواز سفرك؟ هل ستسافر إلى جنوب إفريقيا؟

_ استحي يا وليّة! أنت تخاطبين مقاوم المستقبل. أنا مسافر إلى قبرص الآن بإذن الله.

_ ولماذا قبرص؟

_ للمشاركة في"أسطول الحرية 2".

_ أسطول الحياة؟ وماذا ستقدم لأهالي غزة؟

_ كلٌّ ينفق ممّا عنده يا وليّة ... وأنا سأضمن تصليح وتجديد"ريموت كونترول"كل بيت في غزة.

_ وماذا سيستفيد الغزاويون ...

_ لا تقولي"الغزاويون"، يا جاهلة! أما سمعت الشيخ"المصلحاتي"البارحة؟ قولي:"الغزّيّون"، غين، زاي، ياء، واو، نون؛"غزّيّون". وإذا شئت استعارة لغة المقاومين الأخفياء مثلي، قولي:"الغزّاويّة".

_ طيّب .. وماذا سيستفيد الغزاويون، الغزّيّون، الغزّاوية، من تصليح"الريموت"؟

_ يا لك من ساذجة! بفضل ما سأنجزه، سيتمكّنون من رؤية أنفسهم في التلفاز، ورؤية نظرة إخوانهم العرب إليهم ... وبفضل ذلك أيضًا، سأتمكّن من رؤية نظر الغزاوية إلى أنفسهم، ونظرهم إلى رؤية العرب لهم! يعني: نظر، على نظر، على نظر .. رؤية ثلاثية الأبعاد، من دون"أل س يدي"أو"إتش دي"! أفهمتِ؟

_ آه فهمت .. وعلى ذكر الرقم ثلاثة، أرجوك! طلّقني بالثلاث، وأرحني، أراح الله منك الأرض!

_ لا جناح عليك، يا وليّة .. فأنت تصابين بالجنون كلّما قرّرت المشاركة في المقاومة ... والآن، أقول لك جملة واحدة لا غير: الوداع؛ أو إلى اللقاء.

_ صارت جملتين!

_ ماذا؟

_ تلفظت بجملتين، لا جملة .. وهذا لا يليق بمقاوم مثلك.

_ يا لك من جاهلة! وكأنك لم تقرئي النحو، ولم تصادفي شيئًا اسمه"البدل"! المهم ... اعتني بنفسك، وبابننا الذي لن يولد .. واذكريني بخير. وإذا استشهدت، أوصيك أن تطلبي من البطل"أبو تريكة"أن يتولّى شخصيّا إقامة صلاة الجنازة على جثماني الطاهر ... الوداع مرّةً أخرى .. ولعلّها الأخيرة ...

_ ألا أصحبك إلى الأمطار؟ عفوًا"المطار"؟

_ لا .. ممنوع منعًا باتًّا! فالمهمّة سرّيّة، وغير مسموح لك بالتعرّف على"الإخوان"الذين سيرافقونني إلى قبرص. وبالمناسبة: هذه شهادة إجازة طبّيّة لمدّة شهر. سلّميها للمدير، واذكري له أنّني نُقِلت للعلاج في الخارج. وإذا استشهدت، هنيئًا لك التعويض والمعاش ...

ثم تأخر خطوتين إلى الوراء، وحيّاها تحية عسكريّة. وقال لها، للمرة الأخيرة، بنبرة فيها شيء من صدى صوت يوسف وهبي:"الوداع يا حياتي"!

غادر العمارة، وقلبه يسابق رِجْلَيه إلى شقة ابن عمّه"متولّي"، شوقًا إلى الـ"أللللللللللللللللللل سي ديه"، وإلى"الإخوان": أصدقاء الطفولة والشقاوة .. أصدقاء أيّام زمان .. أيّام كانت الملاعب ملاعب، والجمهور جمهور، والأهلي أهلي، والإسماعيلي إسماعيلي، و ... ويخرب بيت الزمالك ...

ركب سيارة الأجرة، وفي ذهنه شيء واحد: 63 معركة، وفوز واحد!

ثم تذكر غزة، فابتسم ... تذكّر عبارة الأسطى سلامة البارحة في"مقهى الغلابى"، حيث قال:"ما كلّو جزيرة ياسيدي ..."

وبينما كان يتأمّل القاذورات التي شوّهت وجه النيل، ردّد في نفسه: ومَن يدري؟ ربّما سيفوز المنتخب المصري بكأس العالم، فيتكرّم سيادة"الريّس"بفتح معبر رفح ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت