فهرس الكتاب

الصفحة 10770 من 20085

الثاني له وللمسلمين، وهو مساعدته للأسرى الذين في بلاده، وإحسانه إليهم، وأمر رعيته بالإحسان إليهم، والمعاونة لنا على خلاصهم؛ فإن في الإساءة إليهم دركا على الملك في دينه ودين الله تعالى، ودركا من جهة المسلمين. وفي المعاونة على خلاصهم حسنة له في دينه ودين الله تعالى وعند المسلمون، وكان المسيح أعظم الناس توصية بذلك.

ومن العجب كل العجب: أن يأسر النصارى قوما غَدرا أو غير غدر، ولم يقاتلوهم، والمسيح يقول: «من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن أخذ رداءك أعطه قميصك» وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده المسلمين. فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص. سيما وعامة هؤلاء الأسرى قوم فقراء وضعفاء، ليس لهم من يسعى فيهم، وهذا أبو العباس مع أنه من عباد المسلمين، وله عبادة وفقر وفيه مشيخة، ومع هذا فما كاد يحصل له فداؤه إلا بالشدة. ودين الإسلام يأمرنا أن نعين الفقير والضعيف؛ فالملك أحق أن يساعد على ذلك من وجوه كثيرة، لاسيما والمسيح يوصي بذلك في الإنجيل ويأمر بالرحمة العامة، والخير الشامل كالشمس والمطر. والملك وأصحابه إذا عاونونا على تخليص الأسرى، والإحسان إليهم، وكان الحظ الأوفر لهم في ذلك في الدنيا والآخرة.

أما في الآخرة: فإن الله يثيب على ذلك ويأجر عليه، وهذا مما لا ريب فيه عند العلماء المسيحيين الذين لا يتبعون الهوى؛ بل كل من اتقى الله وأنصف علم أنهم أسروا بغير حق، لاسيما من أخذ غدرا، والله تعالى لم يأمر، ولا المسيح أمر، ولا أحد من الحواريين، ولا من اتبع المسيح على دينه، لا بأسر أهل ملة إبراهيم ولا بقتلهم. وكيف وعامة النصارى يقرون بأن محمد رسول الأميين، فكيف يجوز أن يقاتل أهل دين اتبعوا رسولهم؟

فإن قال قائل: هم قاتلونا أول مرة؟ قيل: هذا باطل فيمن غدرتم به ومن بدأتموه بالقتال. وأما من بدأكم منهم فهو معذور؛ لأن الله تعالى أمره بذلك ورسوله، بل المسيح والحواريون أخذ عليهم المواثيق بذلك. ولا يستوي من عمل بطاعة الله ورسوله، ودعا إلى عيادته ودينه، وأقر بجميع الكتب والرسل، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله، ومن قاتل في هوى نفسه وطاعة شيطانه، على خلاف الله ورسوله.

ومازال في النصارى من الملوك والقسيسين والرهبان والعامة، من له مزية على غيره في المعرفة والدين: فيعرف بعض الحق، وينقاد لكثير منه، ويعرف من قدر الإسلام وأهله ما يجهله غيره، فيعاملهم معاملة تكون نافعة له في الدنيا والآخرة؛ ثم في فكاك الأسير. وثواب العتق من كلام الأنبياء والصديقين ما هو معروف لمن طلبه، فمهما عمل الملك معهم وجد ثمرته.

وأما في الدنيا: فإن المسلمين أقدر على المكافأة في الخير والشر من كل أحد. ومن حاربوه، فالويل كل الويل له.

والملك لا بد أن يكون سمع السير، وبلغه أنه ما زال في المسلمين النفر القليل، منهم من يغلب أضعافا مضاعفة من النصارى وغيرهم، فكيف إذا كانوا أضعافهم؟ وقد بلغه الملاحم المشهورة في قديم الدهر وحديثه، مثل: أربعين ألفا يغلبون من النصارى أكثر من أربعمائة ألف أكثرهم فارس. وما زال المرابطون بالثغور مع قلتهم واشتغال ملوك الإسلام عنهم يدخلون بلاد النصارى؛ فكيف وقد منّ الله تعالى على المسلمين باجتماع كلمتهم، وكثرة جيوشهم وبأس مقدميهم وعلو هممهم ورغبتهم فيما يقربهم إلى الله تعالى واعتقادهم أن الجهاد أفضل الأعمال المطوعة وتصديقهم بما وعدهم نبيهم؛ حيث قال: «يعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه، ويرى مقعده في الجنة، ويكسى حلة الإيمان، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، ويقي فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر يوم القيامة.»

ثم إن في بلادهم من النصارى أضعاف ما عندكم من المسلمين، فإن فيهم من رءوس النصارى من ليس في البحر مثلهم إلا قليل، وأما أسراء المسلمين، فليس فيهم من يحتاج إليه المسلمين، ولا من ينتفعون به، وإنما نسعى في تخليصهم لأجل الله تعالى؛ رحمة لهم وتقربا إليه يوم يجزي الله المصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت