بودي في هذا المقال أن أناقش قضية حسَّاسة أرى أنَّ من مقتضيات فقه العصر الوقوف عندها، وأنَّ واجب الوقت الحديث عنها، وذلك لأهميَّتها؛ فإنَّ حديث ذلك الرمز سواء أكان شيخًا أو داعية أو مفتيًا ينبغي أن يسترعي في حديثه عدَّة مهمَّات، لكي لا تزل قدم بعد ثبوتها، وحتَّى يكون الحديث لدى وسائل الإعلام مدروسًا خصوصًا إن كان طلبًا لحوار صحفي فلا يكون عبر موافقة مباشرة دون معرفة ما الأسئلة التي ستقال، والاستفسارات التي ستلقى على مرأى ومسمع ذلك الرمز، أو على الأقل أن يكون لدى هذا الرمز إجابات مسبقة ومعروفة ومعهودة عنه في بعض القضايا التي يحب أن يثيرها بعض الإعلاميين لكشف رأيه عنها وقد يكون لديه رأي معين، أو مسألة يدرسها ولكنَّه لم ينته من دراستها، أو لم تتحرَّر لديه، أو أن يكون بعض تلك القضايا ليس من الحكمة أن تثار وتقال عبر وسائل الإعلام فيكون الجواب عن ذلك على الأقل: الله أعلم، أو بدون تعليق، ليحمي نفسه من إثارة زوبعة إعلامية كبرى قد تذاع في كبرى المحطات الفضائيَّة، أو تنشر على أضخم الصحائف المحليَّة، وقد لا يشعر أنَّ رأيه ذاك أو فتواه تلك قد كان لها ذلك الزخم الإعلامي الذي لم يكن يحسب له حسابا واحدا فضلًا عن ألف حساب!!
• خطورة ابتلاع الـ (طعم) الإعلامي:
لأهل العلم والدعوة في دين الإسلام مزيَّة عن غيرهم ودرجة عالية ومرتبة سامقة، ويكفي أنَّ الله عزَّ وجل قال: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) ويقول: (إنَّما يخشى الله من عباده العلماء) وبقوله تعالى: (ومن أحسن قولا ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحا) وبقوله صلى الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) وقوله عليه الصلاة والسلام: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه غير أنَّه لا ينقص من أجورهم شيئا) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على منزلة العلم وفضل الدعوة إلى الله.
لكنَّ المشكلة الكبيرة أنَّ بعض أهل العلم والدعوة قلَّما يكون لديهم خارطة واضحة في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وعن كيفية الجواب على سؤال ذلك الإعلامي الذي قد يكون همَّه الوصول إلى التشويش أو التشويه لأهل العلم والفضل، فحين يعثر على بغيته تجده ينشر ذلك الرأي عبر وسائل الإعلام، لكي يحصل بذلك التندر بأقوالهم، والتحدث عنهم، وتشويه صورتهم وقد تكون هذه الفتوى مبتورة أو ذلك الرأي ناقصًا أو يكون هو بعينه رأي ذلك الشيخ أو لداعية ولكنَّها تعد زلة أو زيغة من حكيم وما أشبه ذلك.
مع أنَّه في الواقع يجدر بمن يعمل في هذه الوسائل الإعلاميَّة أن يتقي الله عزَّ وجل في نقله، ويحذر من إلقاء التهمة على ذلك الرمز العلمي إلاَّ بعد التأكد والتريث، فضلًا عن دراسة نشر ما نُسٍبَ لذلك الرمز، وما أحسن كلام الإمام ابن حجر العسقلاني حين قال: (إنَّ الذي يتصدَّى لضبط الوقائع من الأقوال والأفعال والرجال: يلزمه التحري في النقل فلا يجزم إلاَّ بما يتحقَّقه، ولا يكتفي بالقول الشائع ولا سيَّما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح)
نعم! قد تحصل مزالق فقهيَّة أو زلاَّت من بعض المنتسبين للعلم والدعوة، ولا شك أنَّ كل بني آدم خطَّاء، وأنَّ العالم أو الداعية يجور عليه الخطأ كما يجوز على غيره، وأنَّ العلماء أو الدعاة ليسوا معصومين من الوقوع في الخطأ أو الرأي، لكنّي لا أستغرب أو أتعجب أن تكون هنالك خطة مبرمجة لتشويه الرموز العلمية والدينية في بلدان المسلمين، (وليس ذلك تأثرًا بما قد يظنُّه الظان بنظرية المؤامرة) وذلك أنَّنا نلاحظ من بعض الوسائل الإعلاميَّة التركيز في أخبارها على بعض السقطات والزلاَّت التي تخرج من بعض العلماء والدعاة، فحين يعلم ذلك الصحفي أو الإعلامي أو يتنامى إليه قول غريب يقول به ذلك الشيخ أو العالم لكي يهرع إليه طالبًا منه مقابلة صحفية عبر صحيفة أو فضائيَّة ليستفتيه في بعض الآراء أو يأخذ رأيه في بعض المسائل المهمة، ويكون المقصد هو الولوج لتلك المسألة ليقول الشيخ أو الداعية قولته، فيطير بها ذلك الإعلامي مشيعًا لها في وسائل الإعلام، ويتم المراد من تشويه الرموز الإسلامية واحدا بعد الآخر.
(يُتْبَعُ)