فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومثل القمر لما يحدث منه من الرطوبات المفسدة للأبدان وغير ذلك انصبابًا له غاية القوة كانصباب ما يفيض عن امتلاء في انحدار , ونكّره إشارة إلى أنه ليس كل غاسق مذمومًا - والله أعلم.
ولما كان الشيء الذي اتصف بالظلام يكثف فيشتد انصبابه وأخذه في السفول إلى أن يستقر ويستحكم فيما صوب إليه مجتمعًا جدًا كاجتماع الشيء في الوقبة وهي النقرة في الصخرة , وكان الظلام لا يشتد أذاه إلا إذا استقر وثبت , قال معبرًا بأداة التحقق: {إذا وقب *} أي اعتكر ظلامه ودخل في الأشياء بغاية القوة كمدخول الثقيل الكثيف المنصب في النقرة التي تكون كالبئر في الصخرة الصماء الملساء , وهذا إشارة إلى أنه يسهل علاجه وزواله قبل تمكنه , وفي الحديث"لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها"يعني صلاة المغرب , وفيه عند أبي يعلى أنه قال لعائشة رضي الله تعالى عنها عن القمر:"تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب"وأكثر الأقوال أنه الليل , خص بالاستعاذة لأن المضار فيه تكثر ويعسر دفعها , وأصل الغسق الظلام , ويلزم منه الامتلاء , وقيل: إن الامتلاء هو الأصل , وأصل الوقوب الدخول في وقبة أو ما هو كالوقبة وهي النقرة.
ولما كان السحر أعظم ما يكون من ظلام الشر المستحكم في العروق الداخل في وقوبها.
لما فيه من تفريق المرء من زوجه وأبيه وابنه , ونحو ذلك , وما فيه من ضنى الأجسام وقتل النفوس , عقب ذلك بقوله تعالى: {ومن شر} .
ولما كان كل ساحر شريرًا بخلاف الغاسق والحاسد , وكان السحر أضر من الغسق
والحسد من جهة أنه شر كله , ومن جهة أنه أخفى من غيره , وكان ما هو منه من النساء أعظم لأن مبنى صحته وقوة تأثيره قلة العقل والدين ورداءة الطبع وضعف اليقين وسرعة الاستحالة , وهن أعرف في كل من هذه الصفات وأرسخ , وكان ما وجد منه من جمع وعلى وجه المبالغة أعظم من غيره عرف وبالغ وجمع وأنث ليدخل فيه ما دونه من باب الأولى فقال تعالى: {النفّاثات} أي النفوس الساحرة سواء كانت نفوس الرجال أو نفوس النساء أي التي تبالغ في النفث وهو التفل وهو النفخ مع بعض الريق - هكذا في الكشاف , وقال صاحب القاموس: وهو كالنفخ وأقل من التفل , وقال: تفل: بزق , وفي التفسير عن الزجاج أنه التفل بلا ريق , {في العقد *} أي تعقدها للسحر في الخيوط وما أشبهها , وسبب نزول ذلك أن يهوديًا سحر النبي صلى الله عليه وسلم فمرض كما ياتي تخريجه , فإن السحر يؤثر بإذن الله تعالى المرض ويصل إلى أن يقتل , فإذا أقر الساحر أنه قتل بسحره وهو مما يقتل غالبًا قتل بذلك عند الشافعي , ولا ينافي قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] كما مضى بيانه في المائدة , ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور , فإنهم ما أرادوا إلا الجنون أو ما يشبهه من فساد العقل واختلاله , والمبالغة في أن كل ما يقوله لا حقيقه له كما أن ما ينشأ عن المسحور يكون مختلطًا لا تعرف حقيقته.
ولما كان أعظم حامل على السحر وغيره من أذى الناس الحسد , وهو تمني زوال نعمة المحسود:
وداريت كل الناس إلا لحاسد مداراته عزت وشق نوالها
وكيف يداري المرء حاسد نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
قال تعالى: {ومن شر حاسد} أي ثابت الاتصاف بالحسد معرق فيه , ونكّره لأنه ليس كل حاسد مذمومًا , وأعظم الحسدة الشيطان الذي ليس له دأب إلا السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان بالغفلات.
ولما كان الضار من الحسد إنما هو ما أظهر وعمل بمقتضاه بالإصابة بالعين أو غيرها قال مقيدًا له: {إذا حسد *} أي حسد بالفعل بعينه الحاسدة , وأما - إذا لم يظهر الحسد فإنه لا يتأذى به إلا الحاسد لاغتمامه بنعمة غيره
تفسير السعدي - (1/ 937)
{1 - 5} {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} .
أي: {قل} متعوذًا {أَعُوذُ} أي: ألجأ وألوذ، وأعتصم {بِرَبِّ الْفَلَقِ} أي: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح.
{مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} وهذا يشمل جميع ما خلق الله، من إنس، وجن، وحيوانات، فيستعاذ بخالقها، من الشر الذي فيها، ثم خص بعد ما عم، فقال: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} أي: من شر ما يكون في الليل، حين يغشى الناس، وتنتشر فيه كثير من الأرواح الشريرة، والحيوانات المؤذية.
{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} أي: ومن شر السواحر، اللاتي يستعن على سحرهن بالنفث في العقد، التي يعقدنها على السحر.
{وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} والحاسد، هو الذي يحب زوال النعمة عن المحسود فيسعى في زوالها بما يقدر عليه من الأسباب، فاحتيج إلى الاستعاذة بالله من شره، وإبطال كيده، ويدخل في الحاسد العاين، لأنه لا تصدر العين إلا من حاسد شرير الطبع، خبيث النفس، فهذه السورة، تضمنت الاستعاذة من جميع أنواع الشرور، عمومًا وخصوصًا.
ودلت على أن السحر له حقيقة يخشى من ضرره، ويستعاذ بالله منه [ومن أهله] .