جَنِيًّا.
ـ [مصطفى حسنين] ــــــــ [04 - Mar-2009, صباحًا 12:00] ـ
من الاعتراضات القوية المتوجهة على تعريف الحكم الشرعي عند الأصوليين اعتماد هذا التعريف على مذهب الأشاعرة في القول بالكلام النفساني، وليس مرادهم بخطاب الشارع نصوص الآيات والأحاديث الدالة على الأحكام الشرعية؛ كما توهم ذلك كثيرون، وبه قال بعض الإخوة في مشاركات هذا الموضوع، بل إن الأصوليين يعنون بالخطاب - في سياق التعريف الأصولي للحكم الشرعي - تلك المعاني القديمة المعبَّر عنها لديهم بالكلام النفساني، ولذلك يصفون الخطاب الشرعي بالقِدَم:
يقول الإمام القرافي في حد الحكم الشرعي:
(( الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ خِطَابُ اللهِ تَعَالَى القَدِيمُ، المُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ المُكَلَّفِينَ؛ بالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ:
فَالقَدِيمُ: احْتِرَازٌ مِنْ نُصُوصِ أَدِلَّةِ الأَحْكَامِ؛ فَإِنَّهَا خِطَابُ اللهِ تَعَالَى وَلَيْسَتْ حُكْمًا، وَإِلَّا اتَّحَدَ الدَّلِيلُ وَالمَدْلُولُ، وَهِيَ مُحْدَثَةٌ )) . من شرح تنقيح الفصول.
فنراه - هاهنا- يرفض تفسير خطاب الشارع بنصوص الآيات والأحاديث، مع تقييده خطاب الشارع بالقدم.
ولا يخفى: أن القول بالكلام النفساني إنما ألجأهم إليه أصلهم الكلي العام في نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، حفاظا منهم على دليل حدوث الأعراض الذي اعتمدوه في إثبات الصانع، فاضطرتهم محاولة الحفاظ على هذا الأصل إلى الوقوع في كثير من الأقوال الضعيفة والمتناقضة، والتي جرت عليهم اللائمة من الموافق والمخالف.
يعلل البغدادي رفض القول بحلول الحوادث: لـ: (( ما يلزم عليه من نقض دلالة الموحدين على حدوث الأجسام، الذي يترتب عليه القول بحدوث العالم، وإذا لم يصح عندهم حدوث العالم لم يكن لهم طريق إلى معرفة صانع العالم وصاروا جاهلين به ) ).
ومن الحق أن اعتماد الأشاعرة على أصل نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، وغُلُوَّهم أحيانا في تخريج المسائل عليه أوقعهم في إشكالات كثيرة كانت مثار جدل وانتقاد من مخالفيهم؛ من هذه الإشكالات قولهم بوحدة الكلام الإلهي، وأنه أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد؛ مما اتخذه مخالفوهم ذريعة للطعن عليهم، وقد جرهم ذلك إلى القول بالكلام النفسيِّ، والقول بوَحدة العلم الإلهي المتعلق بالحوادث قبل خلقها وبعده، ووحدة الإرادة.
وهل الرؤية التي أثبتها جمهرة مثبتي الصفات - ومنهم الأشاعرة - إلا من قبيل تعلق الحوادث بذات القديم؟!!
ولذلك اضطرب أئمة الأشاعرة في ضبط الصفات الفعلية؛ فقد صرح الباقلاني: رسالة الحرة (المطبوع باسم: الإنصاف) : 25: بأن (( صفات الأفعال هي التي سَبَقَهَا، وكان تعالى موجودا في الأزل قبلها ) ): وفي هذا التعريف إقرار وتجويز لحلول الحوادث، ثم عاد فقال بنفي كل ما يدل على الحدوث من الأفعال برأيه؛ فنفى الجهة، والتحول والانتقال لدلالة هذه الصفات على الحدوث. كم في رسالة الحرة (الإنصاف) : 39 - 40.
انظر في انتقادات الأشاعرة فيما بنوه على هذا الأصل من فروع في: ابن رشد: مناهج الأدلة: 161 - 163، قاسم: مقدمة المناهج (في نقد وحدة العلم ووصفه بالبدعة) : 54 - 55، وفي نقد القول بوحدة الإرادة: 58 - 59.
ولذلك نرى الرازي من المتأخرين يخفف من حدة هذه المسألة، بل وينتهي أخيرا إلى القول بأن تعلق الحوادث (( قال به أكثر فرق العقلاء وإن كانوا ينكرونه باللسان ) )، وأصرح من هذا أن القول بحلول الحوادث يلزم الطوائف جميعا بما فيهم الأشاعرة والماتريدية والفلاسفة. انظر: الرازي: الأربعين في أصول الدين: 1/ 170، المطالب العالية: 2/ 71 - 74، وشيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 1/ 127 وفيه نَقَلَ توهينَ أبي الحسن الأشعري لهذه الطريقة، 5/ 379، 6/ 625، درء التعارض: 1/ 241، 2/ 191، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 124، وانظر أيضا: الزركان: الرازي وآراؤه الكلامية: 228 - 231، الشافعي: الآمدي وآراؤه الكلامية: 301، 341 - 348، 374 - 376.
(يُتْبَعُ)