اللَّه فِيمَنْ يَأْذَن لَهُ فِيهِ فَيَقْبَل مِنْهُ أُسْوَة بِإِخْوَانِهِ مِنْ أُولِي الْعَزْم صَلَوَات اللَّه وَسَلامه عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ". ومعنى هذا، لو أخذنا بتفسير ابن كثير، أن عيسى لن تكون له هنا أية ميزة استثنائية، سواء بالنسبة لرسولنا محمد خصوصا أو بالنسبة للأنبياء كلهم عموما، فالشفاعة ستكون للجميع، وليس لعيسى وحده كما أراد هذا الأُبَيْلِيس أن يوهمنا كذبًا وزورًا. بَيْدَ أن الشفاعة العظمى إنما هى من نصيب سيد الأنبياء والمرسلين كما ورد في الحديث الآنف الذكر. أما الشفاعة النصرانية التى تكلم عنها سفر"رؤيا يوحنا" (تلك الرؤيا التى حلم بها وهو يعانى من قرصات الجوع المؤلمة المربكة للعقل فجعلت هذا الخروف يتخيل ربه خروفا مثله) فهى شفاعةٌ خِرْفانيةٌ لا يليق بالآدميين المتحضرين المثقفين أن يناقشوها، فلنتركها للخروف زيكو عابد الخروف!"
ومن ادعاءاته الطفولية قوله إن عيسى قد أُصْعِد إلى السماء حيا، فماذا عن محمد؟ والجواب هو أن محمدا قد عُرِج به إلى السماوات العلا حتى بلغ سدرة المنتهى كما ذكر القرآن الذى تُحَاجِجُنا به. هذه واحدة، والثانية هى أن النص القرآنى ليس قاطع الدلالة في موضوع صعود عيسى عليه السلام بالجسد ولا صعوده حيًّا، إذ تقول الآية الكريمة:"إذ قال الله: يا عيسى، إنى متوفيك ورافعك إلىَّ" (آل عمران/ 55) . وليس فيها على سبيل القطع الذى لا تمكن المماراة فيه أنه سبحانه قد أصعده إلى السماء حيًّا بجسده. إن من المسلمين من يفهم تلك الآية كما فهمها القُمّص، لكن هناك أيضا من المسلمين من يقولون بالوفاة العادية ورِفْعَة المكانة لا الجسد. وعلى أية حال هل هناك فرق كبير بين قوله سبحانه عن السيد المسيح وبين قوله عن إدريس عليهما السلام:"واذْكُرْ في الكتاب إدريس، إنه كان صِدِّبقًا نبيًّا* ورفعناه مَكانًا عَلِيًّا" (مريم/ 56 - 57) ؟ ثم إن الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى ذكر كذلك أن إيليّا قد رفعه الله إليه أيضا بالمعنى المادى، أى أصعد جسده إلى السماء:"وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. وَكَانَ أَلِيشَعُ يَرَى وَهُوَ يَصْرُخُ: «يَا أَبِي، يَا أَبِي، مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا» . وَلَمْ يَرَهُ بَعْدُ" (ملوك 2/ 2/ 11 - 12) . إننى، كما قلت من قبل، لا أبغى أبدا التقليل من شأن سيدنا عيسى عليه السلام، على الأقل لأننا نحن المسلمين نَعُدّ أنفسنا أتباعه الحقيقيين ونرى أن أولئك الذين يدّعون أنهم أتباعه قد كفروا به وضلّوا عن سواء السبيل وأشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطانا. كل ما هنالك أننا نحاول أن نقدم صورة منطقية ومستقيمة وصحيحة في المقارنة بين النبيين العظيمين: محمد وعيسى عليهما السلام، صورة تُظْهِرهما في أبعادهما الصحيحة على أساس أن عيسى هو من محمد بمثابة الأخ الأصغر: سنًّا وإنجازًا وأثرًا. وهذا كل ما هنالك. وفى النهاية نقول: فلنفترض أن عيسى قد أُصْعِد فعلا بجسده إلى السماء وأنه هو وحده الذى حدث له ذلك، فالسؤال حينئذ هو: وماذا بعد؟ وما الفائدة التى عادت على الدعوة من جراء هذا؟ لقد انحرف أتباعه أضلّ انحراف بسبب هذا الصعود وغيره وأشركوه مع الله، وهو البشر الضعيف العاجز الفانى!
ويتبقى كلام ذلك الخروف عن مسح عيسى عليه السلام من الأوزار وسؤاله المعتاد في آخر الكلام:"وماذا عن محمد؟"، وهذا ما قاله نَصًّا:"ممسوح من الأوزار: (أنظر حتمية الفداء ص 24) : (1) [سورة مريم] . (2) [سورة آل عمران] . (3) الإمام الرازى ج3 ص 676. (4) أبى هريرة. (5) صحيح البخارى. وماذا عن محمد؟". وهو بإشارته إلى سُورَتَىْ"آل عمران"إنما يقصد قوله تعالى عن امرأة عمران (أم مريم عليها السلام) وإعاذتها إياها هى وذريتها عند ولادتها من الشيطان الرجيم:"فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" (آل عمران/ 36) ، أما سورة"مريم"فلم أجد فيها شيئا يتعلق بالموضوع الذى نحن
(يُتْبَعُ)