قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبار: فمن نال شبرًا منه شمخ بأنفه، وظن أنَّه ناله، ومن نال منه الشبر الثاني صغرت إليه نفسه، وعلم أن لم ينله، وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحدًا أبدًا.
و قد وضح الشاطبي في الاعتصام مدى صعوبة ادراك الحكم في الشريعة:
يقول الإمام الشاطبى بعد ذكره مناظرة بين ناصر السنة الأمام احمد بن حنبل رحمه الله وأحمد بن أبى دؤاد المعتزلى في بدعة القول بخلق القرآن:"ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها ببعض؛ فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببينها. . . . إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام؛ فذلك الذي نظمت به حين استنبطت."
وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي، فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا (حتى) يستنطق فلا ينطق؛ لا باليد وحدها، ولا بالرجل وحدها، ولا بالرأس وحده، ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي بها إنسان
كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لا من دليل منها أي دليل كان، وإن ظهر لبادي الرأي نطق ذلك الدليل؛ فإنما هو توهمي لا حقيقي؛ كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة؛ من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان؛ لأنه محال.
فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة متحدة"."
اهـ
و قد فهم السلف هذه القاعدة و وعوها فجمعوا السنة وحفظوها و فسروا القرآن و السنة بالقرآن و السنة و لم يضربوا الأدلة بعضها ببعض و لم يخصصوا بعضها بفهم يعارض البعض الآخر ففهم الدليل يحتاج دليلا و قد يضل الإنسان بفهم خاطئ لحرف واحد فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.
روى أبو نعيم في كتابة «الحلية» (1) بسنده عن الربيع بن سليمان قال: سأل رجل من أهل بلخ الشافعي عن الإيمان فقال للرجل: فما تقول أنت فيه؟ قال: أقول: إن الإيمان قول. قال ومن أين قلت؟ قال: من قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" [البقرة: 277] . فصارت الواو فصلًا بين الإيمان والعمل فالإيمان قول والأعمال شرائعه. فقال الشافعي: وعندك الواو فصل؟ قال: نعم, قال: فإذا كنت تعبد إلهين إلها في المشرق وإلها في المغرب لأن الله تعالى يقول: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ" [الرحمن: 17] فغضب الرجل وقال: سبحان الله أجعلتني وثنيًا؟! فقال الشافعي: بل أنت جعلت نفسك كذلك قال: كيف؟ قال بزعمك أن الواو فصل, فقال الرجل: فإني أستغفر الله مما قلت بل لا أعبد إلا ربًا واحدًا ولا أقول بعد اليوم إن الواو فصل بل أقول إن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، قال الربيع: فأنفق على باب الشافعي مالًا عظيمًا وجمع كتب الشافعي وخرج من مصر سُنيًا. اهـ
فأنظر لهذا الرجل كاد يضل بحرف واحد قطعي الثبوت لكنه فهمه بغير الفهم الصحيح و لم يفهمه بغيره من النصوص الصريحة فكيف بمن فهم حرفا ظني الثبوت بغير فهمه و عارض به غيره من النصوص الواضحة الصحيحة.
لذلك الحذر الحذر من مخالفة السلف في فهمهم للنصوص و التريث قبل مخالفة فتاوي جمهور العلماء فخطئ نفسك قبل أن تخطئهم, إن ما يفهمه السلف بالبديهة يلزمنا عمر كامل لفهمه و إدراكه.
روي أن رجلا جاء لأبي حنيفة فقال له إن ابن أبي ليلة ـ و كان قاضيا بالكوفة ـ جلد امرأة مجنونة ـ قالت لرجل: يا ابن الزانيين ـ حدين بالمسجد , و هي قائمة, فقال أبو حنفية بداهة: اخطأ من ستة أوجه.
قال ابن العربي: و هذا الذي أدركه بداهة لا يدركه بالرؤية إلا العلماء الماهرون.
قال محمد بن الحسن الحجوي رحم الله في كتابه الفكر السامي: وعن عبد الوارث بن سعد قال: قدمت مكة فوجدت فيها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة قلت: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا؟ قال: البيع باطل والشرط باطل.
ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط باطل.
ثم أتيت ابن شبرمة فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط جائز.
(يُتْبَعُ)