إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا مِن غير مشورة من المسلمين فلا يُبابع هو ولا الذي تابعه تغرّة أن يقتلا (1) .
الحديث بأطول مما هنا أخرجه البخاري.
فهذا عمر - رضي الله عنه -على مكانته وقِدم قَدّمِه وعلو كَعبه في الإسلام يأخذ بمشورة ابن عوف فلم يتكلّم في الموسم الذي يجمع رعاع الناس وغوغاءهم.
بل أمهل فما تكلّم إلا في دار الهجرة والسنة.
فما كل ما يُعلم يُقال، وما كُلّ ما يُقال يصلح أن يُقال في كل زمان وكل مكان.
ولقد خاض أُناس فيما يخوضون فيه، أمام العامة والرعاع والغوغاء حتى إنك ترى جُفاة الأعراب يتكلّمون فيما لم يتكلّم فيه السلف ولا الخلف!
بل قال بعضهم لأحد العلماء: الحديث متناقض!
وهو يقصد بذلك القرآن!
إنهم ليتكلّمون في مسائل لو عُرِضت على عمر - رضي الله عنه - لجمع لها أهل بدر يستشيرهم ويستنير بآرائهم.
رحمك الله أبا حصين. ألست القائل: إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر؟
أين أنت من أُناس يهرفون بما لا يعرفون؟
وأين أنت من أُناس يُحكّمون عقولهم في نصوص الوحيين على مسامع عامة الناس؟؟
فإلى الله المشتكى.
ورحم الله ابن القيّم إذ يقول عن أمثال هؤلاء:
ثقُل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بشرائع الإيمان
واللهو خف عليهم لما رأوا ما فيه من طرب ومن ألحان
فيا أخوتاه
ويا أُخيّاتي
ما كل ما يُعلم يُقال ...
إنك تدخل بعض المنتديات فتخرج وأنت تكاد تتقيأ من غثائية وسخف بعض الموضوعات المطروحة على مرأى ومسمع من الصغير والكبير والرجل والمرأة والعالم والجاهل ..
في كل شيء يتكلّمون!
وفي كل مسألة عظيمة أو حقيرة يتناقشون!
وفي كل نازلة يُفتون!
"ولعل بعضكم ألحن بحجّته من بعض".
فتؤخذ الأقوال المتهافتة أحيانًا على أنها مسلّمات وثوابت قاطعة لا تحتمل النقاش، بل ربما طُيّرت كل مُطيّر فبلغت كذبة أحدهم الآفاق فيكون أكذب الناس!
وحينئذٍ لا يستطيع أن يتداركها
ولا أن يقول: رجعت عنها
ويندم ولات ساعة مندم
فاحبسوا ألسنتكم عباد الله أن تتكلّم في كل نازلة، وفي كل موضوع، وفي كل مصيبة.
وتفقّهوا قبل أن تُسوّدوا
كما قال عمر - رضي الله عنه -.
وإتماما للفائدة:
قال الإمام البخاري - رحمه الله:
باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه.
ثم ساق بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال لي قال النبي - صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس، وباب يخرجون.
ثم قال - رحمه الله:
باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا
وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله.
حدثنا عبيد الله بن موسى عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن عليّ بذلك.
أي أن أثر عليّ - رضي الله عنه - موصول بهذا الإسناد.
ثم ساق بإسناده عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا. قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتّكلوا. وأخبر بها معاذ ثم موته تأثما.
وروى مسلم في المقدمة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
والله يحفظكم ويرعاكم.
(1) تغرّة أن يُقتلا: أي حذرا من أن يُغرِّر بنفسه، فيتعرّض للقتل.
ولمزيد من شرحه يُراجع فتح الباري لابن حجر جـ 12 ص 148 - 162.
ـ [أبوصلاح الدين] ــــــــ [05 - Apr-2009, مساء 10:53] ـ
مقال جد رائع بارك الله فيكم. كم يغتر الواحد منا بما عنده من معلومات فيتهور ويسارع إلي القول بما سكت عنه الاخرون ثم يتبين له انه لو سكت لكان احسن له. شكرااخي الكريم.
بخصوص حديث أبي هريرة رضي الله عنه يتخذه البعض من الصوفية كدليل لهم ان رسول اله حدث اباهريرة بأمور لو سمعها الناس لانكروها ولنحروه. كيف يمكن دفع مثل هذه الشبهة.
ـ [التقرتي] ــــــــ [05 - Apr-2009, مساء 10:59] ـ
ـ [فاطمة الطالبة] ــــــــ [05 - Apr-2009, مساء 11:16] ـ
بارك الله فيك
مقال رائع
ـ [خالد المرسى] ــــــــ [06 - Apr-2009, صباحًا 03:15] ـ
مقال جد رائع بارك الله فيكم. كم يغتر الواحد منا بما عنده من معلومات فيتهور ويسارع إلي القول بما سكت عنه الاخرون ثم يتبين له انه لو سكت لكان احسن له. شكرااخي الكريم.
بخصوص حديث أبي هريرة رضي الله عنه يتخذه البعض من الصوفية كدليل لهم ان رسول اله حدث اباهريرة بأمور لو سمعها الناس لانكروها ولنحروه. كيف يمكن دفع مثل هذه الشبهة.
ان وجدت الرد في الصفحة التى أحالنا اليها الاخ النقرتى فليتك تتحفنى به
وأقول من باب المذاكرة
انه ما نهى عن التحديث به لكل الناس بدون تفريق لا لكونه ضلال في نفسه ولكن لكون بعض من له مآرب أو في قلبه مرض أو في عقله خلل أو في علمه بالأصول والأطر العامة نقص أو لغير ذلك من الاسباب قد يتأول الكلام على معنى يريده في نفسه
أما الصوفية فقد يكتمون أحاديثهم لكونها ضلال في نفسها ككتمانهم القول بسقوط التكاليف مثلا على المريد والسالك الى أن يصل لدرجة الواصل فوقتئذ يحدثوه بسقوط التكاليف فهذا وأمثاله لا يحدثون به كل الناس لأنه ضلال في نفسه
وأيضا انك تجد في كلام كل البشر أنبياءا كانوا أو أناسا عاديين في كلامهم ما لايجوز التحديث به لكل الناس بلا فروق والا لخربت الدنيا وهذا واضح
(يُتْبَعُ)