فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الحقَّ منحصرٌ فيها، وأنَّ ما خرج عنها باطلٌ، بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة كسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، ومن قبلهم من المجتهدين قولًا يخالف قولَ الأئمة الأربعة ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، وكان القول الراجح هو الذي قام عليه الدليل» (4 - «منهاج السنة» لابن تيمية:(3/ 412 ) ) ، ومَنْ ترك اتباع الوحي لقول إمامٍ فقد جعل الأصل فرعًا، والفرعَ أصلًا، ويكون إصراره على ترك الحق لقول إمام تعصُّبًا مذهبيًّا وجمودًا فكريًّا على غير هُدًى من الله، واتباعًا لهوى نفسه، قال تعالى: ?أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ? [الجاثية: 23] ، كما لا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب أحد الأئمة الأربعة أو غيرهم؛ لأنَّه لا واجب إلاَّ ما أوجبه اللهُ ورسولُه، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحدٍ من الناس أن يتمذهب بمذهب رجلٍ من الأُمَّة فيقلّده دينه دون غيره، لكنه في حالة ما إذا لم يستطع العامي تعلُّم دينه إلاَّ بالتزام مذهبٍ مُعَيِّن جاز له التقيُّد بأقوال أحد الأئمة -اضطرارا? دفعًا لمفسدة تضييع دينه الذي لا يتحقَّق دفعه إلاَّ بهذا الالتزام، لقوله تعالى: ?فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ? [التغابن: 16] ، «إذ لا خلاف بين أهل العلم في أنَّ الضرورة لها أحوالٌ خاصَّةٌ تستوجب أحكامًا غير أحكام الاختيار، فكلُّ مسلمٍ ألجأته الضرورة إلى شيءٍ إلجاء صحيحًا حقيقيًّا، فهو في سعة من أمره فيه» (5 - «أضواء البيان» للشنقيطي:(7/ 553 ) ) ، قال محمَّد الأمين الشنقيطي ?رحمه الله-: «وبهذا تعلم أنَّ المضطر للتقليد الأعمى اضطرارًا حقيقيًّا بحيث يكون لا قدرة له البتة على غيره مع عدم التفريط لكونه لا قدرة له أصلًا على الفهم، أو له قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلُّم، أو هو في أثناء التعلُّم ولكنه يتعلُّم تدريجيًّا فهو معذورٌ في التقليد المذكور للضرورة؛ لأنه لا مندوحة له عنه، أمَّا القادر على التعلُّم المفرِّط فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور» (6 - المصدر السابق:(7/ 554 ) ) .
قلت: ويبقى هذا الجواز للضرورة مشروطًا بأن يعتقد أنَّ الطاعة المطلقة لله ورسوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وأنَّ إمامه ليس له من الطاعة إلاَّ لأنه مُبلِّغ عن الله دينَه وحكمَه، ولا يجوز ?شرعًا? أن يجعل إمامَه أو كلامَ إمامه دعوةً يوالي عليها ويعادي، فمن الجهل والضلال أن يعتقد صوابَ قول إمامه في كُلِّ المسائل والأحكام، وأنه يجب اتباعه فيها دون أقوال سائر مَنْ خالفه من الأئمة والمجتهدين، لذلك فالحيطة تقتضي الاحتراز من الوقوع في بعض المحاذير التي وقع فيها بعض المنتسبين للمذاهب كَتَنْزِيلهم الإمام المتبوع في أتباعه مَنْزلة النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في أُمَّته، وما يترتَّب عليه من الإعراض عَمَّا أنزل الله من الحقِّ والهدى، وعدم الانتفاع بنصوص الوحيين، وتركهما تعصُّبًا لإمام المذهب، ووقوفهم جامدين على رأي إمامهم، ولو أدركوا خطأه وظهرت لهم زلَّته، فيعملون على تقويم الكتاب والسُّنَّة، ووزنهما بآراء إمامهم المتبوع ومعياره، والانتصار له بالأحاديث الضعيفة والآراء الفاسدة، هذا الجمود الفكري والتعصُّب المذهبي سبب التفرُّق، ووقوع الفتن بين مختلف المذاهب الأمر الذي أدَّى إلى الخروج عن جماعة المسلمين وتفكُّك وحدةِ صفِّهم، وتسلُّط الأعداد عليهم.
هذا، ولا يخفى أنَّ اعتقاد الطاعة العامة المطلقة في الإمام المتبوع، والاستغناء عن نصوص الكتاب والسُّنَّة بأقواله، واتباعه في كلِّ ما يقول ولو خالفت الحقَّ، شبيهٌ بمن اتخذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله تعالى. قال ابن تيمية ?رحمه الله?: «وهذا تبديل للدِّين، يشبه ما عاب اللهُ به النصارى في قوله: ?اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ? [التوبة: 31] » (7 - «مجموع الفتاوى» لابن تيمية:(20/ 216 ) ) .
(يُتْبَعُ)