فهرس الكتاب

الصفحة 12224 من 20085

قال الشاطبي: (( زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدا له وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة وإلا فلو كانت معتدا بها لم يجعل لها هذه الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها ) ).

الأصل الثاني: أن تلك القطعية لا تمنع إعذار المخالفين لها؛ لما لهم من الشبهة والتأويل، ومخالفتهم للقطعيات لا تمنع إعذارهم.

قال شيخ الإسلام: (( فمن قال إن المخطىء في مسألة قطعية أو ظنية يأثم فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع القديم، قالوا وأيضا فكون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي بحسب حال المعتقدين ليس هو وصفا للقول في نفسه فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة أو بالنقل المعلوم صدقه عنده وغيره لا يعرف ذلك لا قطعا ولا ظنا وقد يكون الإنسان ذكيا قوي الذهن سريع الإدراك علما وظنا فيعرف من الحق ويقطع به ما لا يتصوره غيره ولا يعرفه لا علما ولا ظنا فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة وبحسب قدرته على الإستدلال، والناس يختلفون في هذا وهذا فكون المسألة قطعية أو ظنية ليس هو صفة ملازمة للقول المتنازع فيه حتى يقال كل من خالفه قد خالف القطعي بل هو صفة لحال الناظر المستدل المعتقد وهذا مما يختلف فيه الناس فعلم أن هذا الفرق لا يطرد ولا ينعكس ) ).

قال شيخ الإسلام: (( إن القول بتحريم الحيل قطعي ليس من مسائل الاجتهاد كما قد بيناه وبينا إجماع الصحابة على المنع منها بكلام غليظ يخرجها من مسائل الاجتهاد واتفاق السلف على أنها بدعة محدثة وكل بدعة تخالف السنة وآثار الصحابة فإنها ضلالة وهذا منصوص الإمام أحمد وغيره، وحينئذ فلا يجوز تقليد من يفتي بها ويجب نقض حكمه ولا يجوز الدلالة لأحد من المقلدين على من يفتي بها مع جواز ذلك في مسائل الاجتهاد وقد نص أحمد على هذه المسائل في مثل هذا وإن كنا نعذر من اجتهد من المتقدمين في بعضها وهذا كما أن أعيان المكيين والكوفيين لا يجوز تقليدهم في مسألة المتعة والصرف والنبيذ ونحوها ) ).

قال الشاطبي: (( كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير ولا أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتا فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين ) ).

ويقول الشيخ عمن خالف ما في عقيدته الواسطية (وجل خلاف ما في الواسطية إنما هو من الخلاف غير السائغ) : (( وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَالَفَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَالِكًا فَإِنَّ الْمُنَازِعَ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا يَغْفِرُ اللَّهُ خَطَأَهُ وَقَدْ لَا يَكُونُ بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا كَانَتْ أَلْفَاظُ الْوَعِيدِ الْمُتَنَاوَلَةُ لَهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا الْمُتَأَوِّلُ وَالْقَانِتُ وَذُو الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ وَالْمَغْفُورُ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ: فَهَذَا أَوْلَى، بَلْ مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ نَجَا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ وَمَنْ اعْتَقَدَ ضِدَّهُ فَقَدْ يَكُونُ نَاجِيًا وَقَدْ لَا يَكُونُ نَاجِيًا كَمَا يُقَالُ مَنْ صَمَتَ نَجَا ) ).

وانظر: (( مجموع الفتاوى ) ) (1/ 113،12) ، (4/ 501) ، (5/ 306) ،و (( جامع المسائل ) ) (3/ 151) ،و (( الدرر السنية ) ) (10/ 93 - 95) .

الأصل الثالث:الموقف من قائل القول غير السائغ هو نفس الموقف من المسلم إذا ارتكب محرمًا يغلب على الظن تأوله فيه.فنصيحته واجبة، وحفظ حرمته قائم. فما دام مسلمًا فله من حقوق المسلم .. تزيد كلما زادت موجبات الإسلام عنده.

فلا يجوز شتمه ولا سبه، ولا الكذب عليه، ولا البغي عليه ولا تحميل كلامه مالا يحتمل مع إدامة إنصافه والعدل فيه ومعه.

وأبدأ هذا بذكر تقرير شيخ الإسلام لعدل أهل السنة مع الرافضة، ولم يقل وأين أنتم من ظلم الرافضة وبغيهم، بل قرر: ليس لنا مثل السوء وأنا لا ننزل لدركات الظالمين، وليس من شذ شرًا من الرافضة ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت