فهرس الكتاب

الصفحة 12261 من 20085

دعوتهم، فيستبدلوا دعوتهم وأدلتهم وشيوخهم لأدنى شبهة، قد شاع وذاع الرد عليها من قبل، وعليهم الاستمرار في الاشتغال بطلب العلم، وتعليم المسلمين ما يحتاجون إليه من أمور دينهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وتربيتهم على الإسلام المصفَّى من كل شائبة تُنسب إليه زورًا وبهتانًا، وعدم الاشتغال بمن سلك نفقًا مظلمًا ومصيرًا قاتمًا، وفكرًا متهورًا، وفي الساحة ما يكفينا من أمور تحتاج إلى تقويم وإصلاح، واليمن ليس بحاجة إلى مزيد من الجراحات والفتن، ففيه من أسباب الدمار وتغلغل الأفكار المنحرفة ما لو قُسّم على أهل الأرض لوسعهم، لكن الرجاء في الله أن يلطف به وبأهله وبجميع المسلمين وبلادهم، فمن كان مصلحًا مباركًا معينًا للمصلحين على مواصلة مسيرتهم فحيهلًا به، وإلا فالمفسدون كثر ـ لا كثّرهم الله ـ ولسنا بحاجة إليه، فإما أن يقول خيرًا أو يصمت، فلا يزيد الطين بِلّة، والمريض علة.

وإن كثيرًا من الشباب ينطلق في هذا الطريق الموحش المظلم بزعم إصلاح الفساد، ومحاربة المفسدين!! ونحن نعلن بأعلى صوت أن الفساد والمفسدين ضررهما عظيم، وخطرهما جسيم؛ على البلاد والعباد في الدين والدنيا، إلا أن الطريق للعلاج لا يكون بزيادة الفساد، فهذا عمل العابثين لا المصلحين، وقد أصلحت الدعوة الهادئة خلال عقود من الزمان كثيرًا من الفساد العقدي، والعلمي الثقافي، والأخلاقي والسلوكي في المجتمع، وأخبرونا ماذا صلح في البلاد من وراء التفجيرات والاغتيالات والغلو في التكفير، فإن الناس يُعرفون بآثارهم، والسعيد من وعظ بغيره، ولا يتم العلاج إلا بمواصلة التصحيح القائم على العلم بالحق، والرفق بالخلق، والموازنة بين المصالح والمفاسد العاجلة والآجلة، والاعتبار بحال دول وأفراد لمّا خيّمت فوقهم سحائب الفتن والفوضى ماذا حصل لهم، فكل مصلح غيور يجب أن يحارب الفساد بقدر استطاعته وفي حدود ما يعطِّل الفساد أو يقلله،، ولا يدافع عن الفساد إلا مفسد أو جاهل، لكن ليس علاج العور بالعمى، فنكون كمن أراد أن يعالج زكامًا فأحدث جذامًا، أو أراد أن يبني قصْرًا فهدم مَصْرًا، ولنعتبر بالتاريخ فإن باب الخروج على ولاة الأمر وإن كانوا ظلمة سبب لكل فساد، وقد نقلتُ كلام العلماء وأصول أهل السنة في هذا الباب في كتابي:"فتنة التفجيرات والاغتيالات: الأسباب، والآثار، والعلاج"وقد طُبع عدّة طبعات، ونفع الله به ما شاء من خلقه، وفيه النصوص الصريحة على أن عدم الخروج على الولي الظالم أصل أصيل من أصول أهل السنة، وانعقد الإجماع عليه، وأنه لم يخالفهم بعد إجماعهم على ذلك إلا أهل البدع والأهواء والفساد، وليعتبر هؤلاء الشباب بجماعة التكفير في مصر ومصيرها، وبأصحاب هذا الفكر في بالجزائر وما آل إليه أمرهم من تكفيرهم لبعضهم البعض وقتل بعضهم بعضًا، وليتعظوا بحال كثير من أصحاب هذا الفكر الذين ألجأتهم الظروف والحاجة إلى قبول المساعدات والتعاون مع الرافضة المكفِّرين لجمهور الصحابة، وهذا مصير من فتح على نفسه بابًا قبل أن يتأهل له، فإنه بعد ذلك إذا ضاقت عليه الأمور يرتمي في أحضان من هو أشر وأضر، وبعد أن يثير الفتن والفوضى في بلاد السنة، تأتي الرافضة وتستولي على الجميع ـ لا قدّر الله بسوء على السنة وأهلها وبلادها ـ فلا تدخلوا أنفسكم في دهاليز مظلمة ضيقة، ثم تضطرون إلى الاستنصار بالأضل على الضال، فيكون حالكم كما قيل:

المستجير بعمروٍ عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار

هذا ما لزم بيانه براءة للذمة، وزيادة في النصح، فإن نفع الله بذلك؛ وإلا [فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ] {غافر:44} [إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] {هود:88}

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

دار الحديث بمأرب

1 / ربيع أول / 1430هـ

المرجع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت