فهرس الكتاب

الصفحة 12292 من 20085

فلماذا نتجنّب الحيَّات والعقارب، ونتخذ لك تدابيرَ الوقاية؟!.

التوكل وحقيقته

لماذا نستند إلى التوكل فيما يتعلق بالآخرة فقط؟ إذا كنّا نؤمن بالتوكل، ينبغي أن نُعْمِله فيما يتصل بالأمور الدنيويَّة أيضًا. ألا! إنّي لا أمنعكم عن التوكل، وإنما أودّ أن أبدي لكم الخطأَ الذي ترتكبونه: إن التوكّلَ لايعني ترك الأسباب والابتعاد عن اتخاذها، وإنما الطريق الصحيح في ذلك أن نجمع بين التدبير والتقدير، أي نتخذ التدابير ونأخذ بالأسباب ثم نتوكّل. وفيما يتعلق بالدنيا أيضًا نُوَجِّه بذلك ونقول: إِزْرَعْ الأرض ثم توكل على الله فيما يتعلق بالثمار والحاصلات؛ فالزراعةُ، بشأنها تُتَّخذ الأسبابُ، والثمارُ والحاصلات، بشأنها يؤخذ بالتوكّل؛ فكلُّ إنسان يتخذ هذا الموقفَ وحده في الأمور الدنيويَّة؛ ولكني لا أدري لماذا يعملون بالتوكّل فقط في الأمور الأخرويَّة فيما يتعلّق بالعمل والثمرة كليهما، على حين كان ينبغي أن يقفوا ههنا أيضًا الموقفَ الذي يقفونه في الأمور الدنيويَّة. وإذا كان هناك فرق بينهما، ينبغي أن يوضحوه حتى يعلمه الجميعُ. ولو تأمَّلنا وجدنا أن الفرقَ الواضحَ بين الدنيا والآخرة يقتضي أنّ هناك مُبَرِّرًا لترك الأسباب وإهمال التدابير فيما يتعلق بالأغراض الدنيويَّة، أما الأهداف الأخرويَّة فليس هناك في شأنها مُبَرِّرٌ لإهمال الأسباب؛ لأنّ التوكّل أي ترك الأسباب إنّما يعني تركَ الأسباب المظنونة غير المأمور بها، أي الأسباب التي لاتُؤَدِّي عادةً إلى المُسَبَّب بشكل قاطع مُؤَكَّد، ولا تكون مأمورًا بها شرعًا بشكل واحبٍ؛ فيجوز تركُها وإهمال اتخاذها. أمّا الأسباب التي تُؤَدِّي عادةً إلى المُسبَّب بشكل مُحَتَّم، فلا يجوز تركها؛ فلا يُسَمَّى توَكُّلًا أن تقعد مكتوف اليدين وأنت جائع وتقول: إذا أراد الله أن يطعمني، فسيطعمني فورًا؛ لأنك إذا مُتَّ جوعًا كنت آثمًا تستحق العقاب من الله. ثم إن تركَ الأسباب المظنونة إنما يجوز لمن يكون قويّ الهمّة وكذلك أهله وأولاده يكونون أقوياء العزم أو لايكون لديه عيال، ولايجوز تركُها لمن يكون ضعيف الهمة وعياله أيضا ضعفاء الهمة. أمّا تركُ الأسباب المأمور بها من قبل الشريعة لايُسَمَّى تَوكُّلًا.

السعي للآخرة

إذا علمتَ حقيقة التوكّل، فتَأَمَّلْ: هل الأسباب التي هدى إليها الشريعةُ للثمرات الأخرويَّة، كيف هي؟ هل هي مأمورٌ بها من قبل الشريعة أو ليست كذلك؟ إنّها مأمور بها في الشريعة بالتأكيد، ثم إنّ ترتّب المُسبَّب عليها قطعيّ ومُحَتَّم شرعًا، وليس مظنونًا غير قاطع، كما يُؤَكِّد ذلك النصوص الشرعيَّة؛ فيقول تعالى:

"وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّـ?ـلِحـ?ـتِ مِنْ ذَكر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولـ?ـئِكَ يَدْخُلُونَ الجنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" (النساء/124) .

ويقول:

"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَه" (الزلزلة / 7 - 8) .

وهناك نصوص كثيرة تتضمّن وعدًا صريحًا بلزوم ترتّب الجزاء على أعمال الآخرة. أمّا فيما يتعلق بالدنيا فليس هناك وعدٌ ولاصراحة بلزوم ترتّب المُسَبَّب على معظم الأسباب؛ ففي الحديث الشريف:"ما أنزل اللهُ داءً إلاّ أنزل له شفاءً" (2) ومن ثمّ شُرِعَ اتخاذ التدبير؛ ولكن الله لم يَعِد بترتّب النتيجة عليه؛ ولذلك قد يتخلّف التدبير عن النتيجة؛ حيث قد نزرع الأرض فلا تُغِلّ، ونتداوى ولا نُشْفَى. وترتّبُ النتيجة على أمثال هذه التدابير لايلزم عادةً، وليس بشرط أن لايحصل الشفاءُ بدون الدواء، ولا أن يحصل الشفاءُ بالضرورة كلّما تُنُووِل الدواءُ، بالعكس من أعمال الآخرة التي بينها وبين نتائجها علاقة علّة وشرط معًا، مهما لم تكن هذه العلة والشرط مفهومين عادةً؛ فجميعُ أعمال الآخرة في لزوم ترتّب النتائج كبعض الأسباب الدنيويَّة التي نتائجها تكون قطعيَّة مُؤَكِّدةً وترتُّبُها عليها يكون لازمًا عادةً، كحصول الشبع الذي يترتب على الأكل، وكالريّ الذي يترتّب على الشرب؛ ولكن الوعدَ الوارد في النصوص الشرعيَّة بتحقق النتائج على الأعمال الأخرويَّة وعدمَ ورود الوعد بذلك في شأن الأعمال الدنيويّة، يجعلان أعمال الآخرة ألصق بنتائجها من أعمال الدنيا؛ فكما أن الأسباب المُؤَكَّدة نتائجها، لايجوز تركُها، فكذلك جميعُ أعمال الآخرة لايجوز تركُها؛ لأنّها قطعيّة النتائج، وقد وَرَدَ بترتبها الوعدُ في النصوص؛ أ فليس من المدهش أن الأسباب التي لم يرد الوعدُ بترتب النتائج عليها يُهْتَمُّ بأن لايفوت اتخاذ أيّ سبب منها مهما صَغُرَ؛ ولكنّ الأسباب التي وَرَدَ الوعد بتحقق نتائجها بشكل لايوجد احتمال للتخلّف، يُؤْخَذ بشأنها بالتوكّل.

على كلّ فلو وُضِعَ في الاعتبار الفرقُ الواضحُ بين الدنيا والآخرة لجاز أن يُعْمَل بالتوكل في شأن بعض أسباب الدنيا، وما جاز في شأن سبب من أسباب الآخرة. وكان هذا الحديث فيما يتعلق بالأسباب. أمّا المُسَبَّبَاتُ والثمراتُ فالتوكلُ فيها واجبٌ لامحالةَ سواء أكانت تتعلق بالدنيا أو بالآخرة. أي يجب أن لايعتقد أحدٌ أن الثمرات والنتائج ناشئة عن الأسباب، وإنما يعتقد أنها فضل من الله وحده؛ فتَأَمَّلْ ذلك جيِّدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت