فهرس الكتاب

الصفحة 12458 من 20085

وفي هذا الحديث دليل على حكمة الشريعة الإسلامية وأن الله-تعالى- جعلها شريعة خير لا يقتصر الخير الموجود فيها على خير الدين بل شمل حتى خير الدنيا فإن النوم بعد صلاة العشاء مباشرة فيه خير كثير للإنسان أولًا لنفسه وجسده فقد قرر الأطباء وأثبت الحكماء أن راحة البدن في النوم مبكرًا وأنه إذا نام الإنسان مبكرًا ارتاحت أعصابه ويوجد في جسد الإنسان من الأعصاب ما لا يرتاح إلا في نوم الليل حتى ذكر بعضهم أنه لو نام في النهار أضعاف ساعاته من الليل لم يحصل راحته الموجودة في نوم الليل: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} فسبحان من جعل الليل سكنا فإذا خولفت الفطرة اختلفت الأشياء وذهب الخير الموجودفيها فالمصلحة في النوم مبكرًا، ولذلك لما اعتاد الناس السهر فات الخير الكثير.

ومن الخير الدنيوي الموجود في النوم مبكرا والنوم بعد صلاة العشاء وترك السهر أن صاحبه يستيقظ مبكرًا وحينئذ إما أن يستيقظ قبل طلوع الشمس فيهيؤ تجارته ويهيؤ أعماله فيبارك له في البكور وغالبًا إذا سهر الإنسان فأقل ما يكون أنه ينام من بعد الفجر مباشرة، وبركة الرزق كثير: منها فيما بعد صلاة الفجر إلى صلاة الظهر فهذا الوقت من أفضل الأوقات، ولذلك كان ابن عباس-رضي الله عنهما- يندب أولاده إلى السعي بعد صلاة الفجر ويرغبهم في الخروج إلى الرزق في هذه الساعة، ولذلك لما أصبح الناس ينامون في هذا الوقت فاتهم كثير من البركة فتجد العامل وتجدُ من يقوم بالمهن إذا قام مبكرًا بعد صلاة الفجر لا يأتي منتصف النهار إلا وقد عمل أضعاف أضعاف ما يعمله لو استيقظ في التاسعة أو استيقظ في العاشرة فإنه لو عمل إلى آخر النهار قد لا يحصل ما يجده من بعد صلاة الفجر وهذا شي مجرب، ومن حاول ذلك فإنه يجده بل قال بعض العلماء: ووجدنا ذلك صحيحًا إنه وجد البركة في البكور حتى في كتابة العلم ومدارسة العلم فإنه من جرب أن ينام مبكرًا ويستيقظ على صلاة الفجر أو استيقظ في آخر الليل ثم يقوم بعد الفجر ويراجع علمه ويضبط مسائله فإنه يجد من القوة والاستجمام والحفظ وتهئ النفس ما لا يجده في غير ذلك من الأوقات فالشريعة شريعة خير وبركة كما جاءت بصلاح الدين جاءت بصلاح الدنيا، وكثير من المصائب تجُر بسهر الليل فسهر الليل فيه فتن عظيمة ومصائب كثيرة حتى إن تسلط الشياطين على الصغار يكون من بعد دخول الليل، ولذلك أمر النبي- r- بإمساك الصبية إذا غابت الشمس أمر بإمساكهم لأنها ساعة ترسل فيها الشياطين وقد قال-تعالى-: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} قالوا: إنه إذا اشتعل ضوؤه وهو النجم المعروف غاسق وهو النجم المعروف فعنده يبتدأ شر الشياطين ويعظم ويصلون إلى أذية الناس أكثر من النهار وبغيهم في الليل أكثر من بغيهم في النهار وهذا شيء معلوم وذكره غير واحد من العلماء إنه أدرك بالتجربة مع دلالة السنة عليه في أمره-عليه الصلاة والسلام- بإمساك الصبية بعد مغيب الشمس أو عند مغيب الشمس فكراهية السهر لاشك أن فيه خير كثير وما يحدث من كثير من المصائب والشرور بسبب السهر في الليل لاشك أنه يقفل بابه وتندرؤ فِتَنه إذا حافظ الناس على هذه السنة النبويه الوارده عن خير البرية-صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين، وجزاه عنا وعن الإسلام والمسلمين خير ما جزى نبيًا عن نبوته وصاحب رسالة عن رسالته -، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت