فهرس الكتاب

الصفحة 12502 من 20085

وفي روايةٍ أُخْرَى صحيحةٍ أنه نَزل قولُه: ?يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُم? وقد قال: ?يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ? ثم قالَ عَقِبَه: ?أَلمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولهُ?

فثبت أنَّ هؤلاءِ الشاتمين وإذا كان الأذى مُحَادَّةً للهِ ولرسولِهِ فقد قالَ اللهُ تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ في لأَذَلِّين* كَتبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أنَا وَرُسُلِي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ?

والأذلُّ: أبلغُ مِن الذليلِ، ولا يكون أذلَّ حتى يخاف على نفسه وماله إنْ أظهر المحادَّة؛ لأنه [إنْ] كان دمُه ومالُه معصومًا لا يُسْتَبَاح فليس بأذلَّ، يدلُ عليه قوله تعالى: ?ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ?

فبيَّن سبحانه أنهم أينما ثُقِفوا فعليهم الذِّلَّةُ إلاَّ مع العهد، فعُلم أنَّ مَن له عهدٌ وحبلٌ لا ذِلَّةَ عليه وإن كانت عليه المسكنةُ فإنَّ المسكنةَ قد تكونُ مع عدم الذلة، وقد جعل المحادِّين في الأَذلِّينَ، فلا يكون لهم عهد، إذ العهدُ ينافي الذِّلَّةَ كما دلَّتْ عليه الآية، وهذا ظاهرٌ، فإنَّ الأذَلَّ هو الذي ليس له قوةٌ يمتنع بها ممن أراده بسوء، فإذا كان له من المسلمين عهدٌ يجب عليهم به نَصْره ومنعه فليس بأَذلَّ، فثبتَ أنَّ المحادَّ للهِ ولرسولهِ لا يكون له عهدٌ يَعْصِمه، والمؤذي للنبيِّ صلي الله عليه وسلم مُحَادٌّ، فالمؤذي للنبي ليس له عهدٌ يَعْصم دَمَه، وهو المقصودُ. وأيضًا، فإنه قد قال تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ? والكَبْتُ: الإذلالُ والخِزْيُ والصَّرْعُ، قال الخليل: الكبت هم الصرع على الوَجْهِ. وقال النضر بن شُمَيل وابن/ قتيبة: هو الغيظ والحزن، وهو في الاشتقاق الأكبر من كبده، كأنَّ الغيظَ والحزن أصاب كبده، كما يقال: أحرق الحزنُ والعداوةُ كبدَه، وقال أهل التفسير: كُبِتُوا أُهلكوا وأُخْزُوا وحزِنوا، فثبت أن المحادَّ مكبوتٌ مخزِيٌّ ممتلٍ غيظًا وحزنًا هالكٌ، وهذا إنما يتم إذا خافَ إن أظهرَ المحادَّةَ أن يُقتل، وإلا فمَن أمكنه إظهار المحادَّة وهو آمن على دمه وماله فليس بمكبوت، بل مسرورٌ جَذْلان، ولأنه قال: كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ?، وَالَّذِينَ من قبلهم ممن حادَّ الرسُلَ وحادَّ رسولَ الله إنما كَبَتَه الله بأن أهلكه بعذابٍ من عنده أو بأيدي المؤمنين، والكَبْتُ وإن كان يحصل منه نصيبٌ لكل من لم يَنَلْ

غَرَضَه كما قال سبحانه: ?لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يكْبِتَهُم? لكن قوله تعالى: ?كَمَا كُبِتَ لَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ"? يعني محادِّي الرسل دليلٌ على الهلاك أو كَتْم الأذى، يبين ذلك أن المنافقين هم من الحادَّينَ، فهم مَكْبوتون بموتهم بغيظهم لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم قُتلوا، فيجب أن يكون كلُّ محادٍّ كذلك."

منقول من كتاب الصارم المسلول في شاتم الرسول(بن تيمية رحمه

الله)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت