فهرس الكتاب

الصفحة 13347 من 20085

قال شارح"الطحاوية":"إن أصل الرفض إنما يحدثه منافق زنديق، قصده إبطال دين الإسلام والقدح في الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما ذكر ذلك العلماء، فإن عبد الله بن سبأ لما أظهر الإسلام أراد أن يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، كما فعل بولس بدين النصرانية، فأظهر التنسك، ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى سعى في فتنة عثمان وقتله، ثم لما قدم على الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر له ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك عليًّا فطلب قتله فهرب منه إلى قرقيس، وخبره معروف في التاريخ".

قال شيح الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:"فلما قتل عثمان - رضي الله عنه - تفرقت القلوب وعظمت الكروب، وظهرت الأشرار وذل الأخيار، وسعى في الفتنة من كان عاجزًا عنها، وعجز عن الخير والصلاح من كان يحب إقامته، فبايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو أحق الناس بالخلافة حينئذ وأفضل من بقي، لكن كانت القلوب متفرقة، ونار الفتنة متوقدة، فلم تتفق الكلمة، ولم تنتظم الجماعة، ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة من كل ما يريدونه من الخير ودخل في الفرقة والفتنة أقوام، وكان ما كان"."مجموع الفتاوى": (25/ 304 - 305) .

وقال - أيضًا مبينًا عذر المتقاتلين من الصحابة في قتال علي ومعاوية:"ومعاوية لم يدع الخلافة ولم يبايع له بها حين قاتل عليًا ولم يقاتل على أنه خليفة ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه: ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدئوا عليًا وأصحابه بالقتال ولا يعلو. بل لما رأى علي - رضي الله عنه - أصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد. وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب وهم أهل شوكة، رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب فتحصل الطاعة والجماعة، وهم - أي معاوية ومن معه - قالوا: إن ذلك لا يجب عليهم، وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلوميِن، قالوا: لأن عثمان قتل مظلومًا باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي وهم غالبون لهم شوكة، فإذا بايعنا ظلمونا واعتدوا علينا. وعلي لا يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن عثمان، وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف".

ومذهب أهل السنة والجماعة في الاختلاف الذي حصل والفتنة التي وقعت من جرائها الحروب بين الصحابة يتلخص في أمرين:

• الأمر الأول: أنهم يمسكون عن الكلام فيما حصل بين الصحابة، ويكفون عن البحث فيه، لأن طريق السلامة هو السكوت عن مثل هذا، ويقولون: ? رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ?. [الحشر: 10] .

• الأمر الثاني: الإجابة عن الآثار المروية في مساوئهم وذلك من وجوه:

الوجه الأول: أن هذه الآثار منها ما هو كذب قد افتراه أعداؤهم ليشوهوا سمعتهم.

الوجه الثاني: أن هذه الآثار منها ما قد زيد ونقص فيه وغُير عن وجهه الصحيح ودخله الكذب، فهو محرف لا يلتفت إليه.

الوجه الثالث: أن ما صح من هذه الآثار - وهو القليل، هم فيه معذورون، لأنهم إما مجتهدون مصيبون. وإما مجتهدون مخطئون - فهو من موارد الاجتهاد الذي إن أصاب المجتهد فيه فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور. لما في الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) .

الوجه الرابع: أنهم بشر يجوز على أفرادهم الخطأ، فهم ليسوا معصومين من الذنوب بالنسبة للأفراد - لكن ما يقع منهم فله مكفرات عديدة منها:

• أن يكون قد تاب منه - والتوبة تمحو السيئة مهما كانت - كما جاءت به الأدلة.

• أن لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم - إن صدر -، قال تعالى: ? إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. [هود: 114] .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت