فهرس الكتاب

الصفحة 14337 من 20085

واعلم أن الصَّلب المذكور في قوله {أو يصلبوا} ، اختلف فيه العلماء. فقيل: يصلب حيًا، ويمنع من الشراب، والطعام، حتى يموت، وقيل: يصلب حيًا، ثم يقتل برمح، ونحوه، مصلوبًا، وقيل: يقتل أولًا، ثم يصلب بعد القتل، وقيل: ينزل بعد ثلاثة أيام، وقيل: يترك حتى يسيل صديده، والظاهر أنه يصلب بعد القتل زمنًا يحصل فيه اشتهار ذلك. لأن صلبه ردع لغيره.

وكذلك قوله: {أو ينفوا من الأرض} ( java:openquran(4,33,33) ) ، اختلف العلماء في المراد بالنفي فيه أيضًا، فقال بعضهم: معناه أن يطلبوا حتى يقدر عليهم، فيقام عليهم الحد، أو يهربوا من دار الإسلام، وهذا القول رواه ابن جرير، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس.

وقال آخرون: هو أن ينفوا من بلدهم إلى بلد آخر، أو يخرجهم السلطان، أو نائبه، من عمالته بالكلية، وقال عطاء الخراساني، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزُّهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان، إنهم ينفون، ولا يخرجون من أرض الإسلام.

وذهب جماعة إلى أن المراد بالنفي في الآية السجن، لأنه نفي من سعة الدنيا إلى ضيق السجن، فصار المسجون كأنه منفي من الأرض، إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض المسجونين في ذلك: خرجنا من الدُّنيا ونحن من أهْلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

إذا جاءنا السجان يومًا لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدُّنيا

وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ولا يخفى عدم ظهوره.

واختار ابن جرير، أن المراد بالنفي في هذه الآية، أن يخرج من بلده إلى بلد آخر، فيسجن فيه، وروي نحوه عن مالك أيضًا، وله اتجاه. لأن التغريب عن الأوطان نوع من العقوبة، كما يفعل بالزاني البكر، وهذا أقرب الأقوال، لظاهر الآية. لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء، فعلم أن المراد بالأرضِ أوطانهم التي تشقّ عليهم مفارقتها، والله تعالى أعلم.

مسائل من أحكام المحاربين

المسألة الأولى: اعلم أن جمهور العلماء يثبتون حكم المحاربة في الأمصار والطرق على السواء، لعموم قوله تعالى: {ويسعون في الأرض فسادًا} ( java:openquran(4,33,33) ) ، وممن قال بهذا الأوزاعي، والليث بن سعد، وهو مذهب الشافعي، ومالك، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه، حتى يدخله بيتًا، فيقتله ويأخذ ما معه، إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، فلا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل.

وقال القاضي ابن العربي المالكي: كنت أيام حكمي بين الناس، إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، وتوقف الإمام أحمد في ذلك، وظاهر كلام الخرقي أنه لا محاربة إلا في الطرق، فلا يكون محاربًا في المصر. لأنه يلحقه الغوث.

وذهب كثير من الحنابلة إلى أنه يكون محاربًا في المصر أيضًا، لعموم الدَّليل.

وقال أبو حنيفة: وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرق، وأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه، ويعينه، قاله ابن كثير ولا يثبت لهم حكم المحاربة، إلا إذا كان عندهم سلاح. ومن جملة السلاح: العصي، والحجارة عند الأكثر. لأنها تتلف بها الأنفس والأطراف كالسلاح، خلافًا لأبي حنيفة. * * *

المسألة الثانية: إذا كان المال الذي أتلفه المحارب، أقل من نصاب السرقة الذي يجب فيه القطع، أو كانت النفس التي قتلها غير مكافئة له، كأن يقْتل عبدًا، أو كافرًا، وهو حر مسلم، فهل يقطع في أقل من النِّصاب؟ ويقتل بغير الكفؤ أو لا؟

اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: لا يقطع إلا إذا أخذ ربع دينار، وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: يقطع ولو لم يأخذ نصابًا: لأنه يحكم عليه بحكم المحارب.

قال ابن العربي: وهو الصحيح. لأن الله تعالى، حدد على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ربع دينار سث (لوجوب القطع في السرقة، ولم يحدد في قطع الحرابة شيئًا، ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية جزائهم على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال؟ فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صِيح عليه حارب عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم المحاربين، اهـ كلام ابن العربي. اهـ

و الله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت