وخرج مرّة ثانية إلى الشام، مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد، في تجارة لها، قبل أن يتزوجها، ولما رجع من سفره تزوج خديجة بنت خويلد، وعمره خمس وعشرون سنة، وكان له منها القاسم وعبد الله وزينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة، وله إبراهيم من مارية القبطية، ومن أزواجه أيضا سودة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وميمونة، وجويرية، وصفية.
ولما بلغ خمسًا وثلاثين سنة شهد بناء الكعبة، وحكمته قريش بينها في وضع الحجر الأسود.
ولما بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ابتعثه الله تعالى بشيرًا ونذيرًا، وأول ما بديء به من الوحي الرؤيا، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وحبب إليه الخلاء، وكان يتحنث الليالي بغار حراء، حتى جاء الحق، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقاريء، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقاريء، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ? اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اٌقرأ وربك الأكرم ?.
وكان مبدأ النبوة يوم الإثنين ثامن شهر ربيع الأول، ثم فتر عنه الوحي، حتى نزل عليه: ? يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ?، ثم تتابع الوحي، يأتيه مثل صلصلة الجرس، وأحيانا يتمثل له الملك رجلا.
وكانت خديجة أول من آمن بما جاء به، ثم آمن أبو بكر - رضي الله عنه -، ثم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وزيد بن حارثة، وعمرو بن عبسة السلمي، وبلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وأبو فكيهة مولى صفوان، وشقران مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم أسلم بعد هؤلاء أم أيمن، وخالد بن سعيد بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان، ثم كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه تمام الأربعين إسلامًا.
ولما نزل عليه: ? وانذر عشيرتك الأقربين ?، جهر بالدعوة إلى الله، فآذته قريش، وحاصرته في شعاب مكة، فأقام محصورًا ثلاث سنين، هو وأهل بيته، وخرج من الحصار وله تسع وأربعون سنة، وبعد ذلك بثمانية أشهر وواحد وعشرين يومًا مات عمه أبو طالب، وماتت بعده خديجة -رضي الله عنها - بثلاثة أيام.
ولما بلغ خمسين سنة وثلاثة أشهر وفد عليه جن نصيبين فأسلموا، ولما بلغ إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر أسرى الله به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك، وأعرج به إلى السماء، فرأى الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه -، ورأى من آيات ربه الكبرى، وأوحى إليه ربه ما أوحى، وفرض عليه الصلوات الخمس.
وواصل - صلى الله عليه وسلم - تبليغ رسالة الله، فذهب إلى الطائف، ودعا ثقيفا، فأذاه سفهاؤها أشد الأذى، ولم يستجب له أحد، فرجع مهموما، وقال: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده» ، وكان يتبع الناس بعكاظ ومجنة، وفي الموسم بمنى يعرض نفسه على القبائل، وكان ممن استجاب له وفد الأنصار، فبايعوه على الإسلام والسمع والطاعة والنصرة.
ولما بلغ ثلاثًا وخمسين سنة هاجر إلى طابة هو وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، وتبعتهم قريش فلم تفلح، وفي الطريق مر بخيمة أم معبد الخزاعية، فقالت تصفه: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه نحلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق فصلا، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا تشنأه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال؛ سمعوا لقوله، وإن أمر؛ تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند» .
(يُتْبَعُ)