ومن أمثلة ذلك مسألة احتفال البعض بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد قرر الإمام ابن تيمية في"الاقتضاء" (ص291) بأن مما لا أصل له في الدين الاحتفال بالمولد النبوي، وأن الناس يفعلونه ( .. محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع) .
فحين لم يستطع محقق الكتاب أن يستوعب صحة الدافع وثبوت الأجر عليه وهو المحبة من جهة، وبطلان العمل لمخالفته السنة من جهة أخرى تعقب ابن تيمية ورد قوله.
وابن تيمية إنما جزأ الحال إلى أقسامه الصحيحة، ثم أعطى كل حال حكمها:
فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم القائمة في القلب عقيدة راسخة لا يصح الإيمان إلا بها؛ فيؤجر عليها العبد؛ كما يأثم بل يكفر بالنفاق الاعتقادي وذلك حين يكره الرسول صلى الله عليه وسلم.
وحصول البدعة بالمولد دفعت إليها المحبة، وبطلان هذه البدعة لا يعود على الدافع الصحيح وعبادة المحبة المستقلة بالبطلان إلا بدليل، ولا أعلم دليلا يبطلها؛ بل نص أهل السنة على أن السيئة لا تبطل الحسنة، وأن العكس هو الصحيح.
ومن ذلك اعتبار لازم القول قولا لصاحبه فهنا يقع التداخل والارتباط باللازم العقلي، وربما كان ضروريا، لكن القائل لم يلتزمه، وربما لم يخطر بباله، وربما نفاه وتبرأ منه فلا يُعتبر لازم القول قولا لصاحبه، وعلى هذا جماهير علماء الأصول والعقائد.
ومن ذلك أن المنسوب إلى فرقة لا يأخذ حكمها حتى يلتزم قولها: فهنا يقع التداخل أيضا؛ فالفرقة لها منظومة معتقدات فإذا انتسب إليها إنسان قفز إلى الذهن ما في كتبها فألصقها بمن انتسب إليها، وهذا الارتباط واللزوم إنما يقعان في الذهن، ولكن بلا برهان؛ بل إن صريح العقل وأصول العدل ينفيانه، ولكنه يظل مسيطرا على صاحبه حتى يعده برهانا قطعيا لا يقبل جدلا ولا مناظرة.
وقد قرر الإمام السبكي رحمه الله في"قضاء الأرب في أسئلة أهل حلب" (ص524) أن الحكم على المعين بما تعتقده طائفته غير صحيح، وأن من شرط تكفير المعين اعتراف الشخص به.
كما قرر الإمام ابن تيمية رحمه الله في"مجموع الفتاوى" (3/ 352و353) أن المنسوبين إلى أهل البدع المغلظة كالباطنية منافقون، وأنه تجري عليهم أحكام الإسلام.
ومن ذلك عدم تحرير المصطلحات؛ فترى أن المختلفين يتنازعون إلى حد رفع الصوت أو السب والشتم، ولا خلاف بينهما في الحقيقة، وإنما كان السبب عدم تحرير بعض المصطلحات؛ فهذا يريد من المصطلح شيئا لا يريده ذاك، وصار كل واحد منهما يحاكم الآخر إلى ما في ذهنه عن هذا المصطلح.
وذلك كمصطلح"الوطنية"يراد به معاني فاسدة وصحيحة؛ فما لم يحرر المقصود منه سيبقى الناس في نزاع حوله.
ومثل ذلك مصطلح"الديموقراطية"يراد به في الغرب حكم الشعب بالشعب دون حدود أو قيود، ويراد به في أماكن أخرى أن تكون وسيلة لانتخاب أهل العقد وأن يصدر قرارهم بالأغلبية في شؤون الأمة، كل ذلك بما لا يخالف الشريعة.
سنجد بنحو هذه الوسائل أن كثيرا من خلافاتنا، بل وظنوننا السيئة في إخواننا قد انتهت:
"ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا".
المصدر ( http://www.salmajed.com/node/7939)
ـ [أبو حاتم بن عاشور] ــــــــ [02 - Aug-2009, صباحًا 01:47] ـ
جزاك الله خيرا
ونفع بك