فهرس الكتاب

الصفحة 14642 من 20085

إنَّ من أعظم الفرص، بل هي الجامعة لكل الفرص التي نجتنيها ونكتسبها في شهر رمضان؛ فرصة العبوديَّة لله والقيام بحقِّه، والتوجه إليه والاستعانة به والانطراح بين يديه، فهي الحقيقة الكبرى في الكون والحياة، وجميع الفرص الأخرى متفرِّعة عن هذا الأصل العظيم الذي تندرج فيه وتنتهي إليه كل أعمالنا وعباداتنا ومعاملاتنا.

شهر رمضان فرصة للعبد الصائم؛ لأنَّه يجد فيه عدَّة أحاديث تحثُّه على اغتنامه بمزيد من العمل لكي ينال مزيدًا من الأجر، ويكفي في ذلك ذكر حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يقول:"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنَّة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين"أخرجه مسلم.

وقوله عليه الصلاة والسلام:"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه"أخرجه البخاري ومسلم.

ومعنى إيمانًا: إيمانًا بوجوبه، ومعنى احتسابًا: استشعارًا بالأجر عند ربِّه، كما قاله العز بن عبد السلام (كتاب مقاصد الصيام:(ص 34 ) )

· اغتنم فرصك واكتسبها:

بداية .... ما أجمل أن نستشعر قدوم هذا الشهر الفضيل، وأن نعلم أنَّ قدوم هذا الشهر هو خير وبر وبركة على الأمة الإسلاميَّة، ولقد كان السلف الصالح يستبشرون بقدوم شهر رمضان، ويعدون أنفسهم إلى ذلك اللقاء الجميل، ولقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: (مرحبًا بشهر خير كله؛ صيام نهاره، وقيام ليله، النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله) ، وقد أخبر المعلَّى بن الفضل رحمه الله عن سلفنا الصالح مع رمضان بقوله: (كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثمَّ يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم) فلك أن تتخيَّل أنَّهم كانوا لمدَّة ستة أشهر يترقبون شهر رمضان ويدعون الله تعالى أن يبلغهم هذا الشهر الكريم، كلُّ ذلك حفاوة به وبقدومه…

ومما ذكره ابن رجب الحنبلي في لطائف لمعارف أنَّ رجلًا من الصالحين باع جارية لأحد الناس .. فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان الطعام .. فقالت الجارية: لماذا تصنعون ذلك؟ قالوا: لاستقبال الصيام في شهر رمضان .. فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟! والله لقد جئت من عند قوم السنة عندهم كلها رمضان .. لا حاجة لي فيكم .. ردوني إليهم .. ورجعت إلى سيدها الأول!!!

وفي زمننا المعاصر يختلف الذين يستقبلون شهر رمضان، ولهم في ذلك طرق مختلفة ومتنوعة؛ فمنهم من يستقبله باللهو واللعب، ومنهم من يستقبله بالأكل والشرب، ومنهم من يستقبله بالنوم ومنهم من يستقبله ببرمجة وقته لمشاهدة البرامج والمسلسلات عبر شاشة الرائي (التلفاز) ، إلى غير ذلك من أنواع الاستقبال.

وذلك هو استقبال المفرِّطين الذين لم يدركوا حقيقة فضائل هذا الشهر، ومنافع أيامه، وفوائد لياليه، وعظمة شعيرته.

غير أنَّ المؤمن السبَّاق لعمل الصالحات؛ يستقبله بالمسارعة إلى عمل الخيرات، وتجنُّب المنكرات، متمثِّلًا قول الله تبارك وتعالى:"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين"سورة آل عمران: (133) .

والمسابق لعمل الخيرات واقتناص الفرص، شيمته التطلُّع والترقب لكل فرص الخير وغنائم البر ومعارج القبول ليتقرب بها إلى ربِّ العالمين، ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، وخوفًا من أليم عقابه.

والمسابق لعمل الخيرات يعلم يقينًا أنَّ الله ـ تعالى ـ حثَّ عباده على المسارعة والمسابقة لعمل الخيرات، كما قال عز وجل:"فاستبقوا الخيرات"سورة البقرة: (148) وقال عزَّ وجل:"إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله"سورة الجمعة: (9) ، ولكنَّ مريد الآخرة يدرك لا محالة أنَّ الدنيا متاع زائل، ويعلم أنَّ مسارعته فيها والمسابقة لطلبها يخالف المنهج القرآني؛ فالله تعالى يقول:"فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه"سورة الملك: (15) وفرق كبير بين المسارعة والمسابقة وبين المشي، ولهذا جعل سبحانه وتعالى أصل عمل العبد في نيل ثواب الآخرة والسعي لتطلُّب الأجر من الله، ولكن في أمور الدنيا قال تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) سورة القصص: (77) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت