فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
طرح العبيكان في ثنايا رسالته أن هذا القول الذي انتصر له هو قول للحسن وأحمد وابن حجر وغيرهم - مع أنه أخطأ حتى في النقل عنهم كما سوف يأتي إن شاء الله - وقد كانت نقمته على مخالفيه - فيما يظهر - لا لوجود نص لديهم من كتاب أو سنة , بل لأنه ظن أن القول الذي قال به هو عبارة عن مسألة خلافية فلماذا ينكر عليه.!
مع أن الواقع يقول إنه لا يعتمد على الخلاف إلا أحد رجلين:
إما مقلد , وهذا عليه ألا يفتي , إذ الفتوى مع أصحاب النصوص المجتهدين.
أو جاهل , وهذا عليه أن يفقه نفسه قبل أن يناظر غيره.
إذًا مجرد وجود الخلاف ليس مسوغا لأن يقول من شاء ما شاء , وقد رأى الجميع أن بعض الناس عندما تناقشه عن مخالفة ارتكبها قال لك: المسألة خلافية , مع أنه لا يعرف من القائل المخالف ولا دليله ولا أين قال ذلك؟ فقط مجرد وجود هذه الكلمة سوغ له فعل ما أراد هواه لا ما دلت عليه نصوص الشريعة , وقد تعلق بما أحرج نفسه به.
وإذا كان العبيكان استنكر من بعض الناس تعصبهم لأقوالهم - وقد كان أسبقهم إلى ذلك - فلا أظن أن الاعتداد بالخلاف أقل سوءا وضررا من التعصب للرأي , وإن كان الظاهر أن كلًا من الاعتداد بالخلاف والتعصب لأقوال الرجال منبعهما واحد , وهو ترك الأخذ بالنصوص والالتفات إلى قول فلان أو فلان.
بل ربما الأخذ بالخلاف قد يزيد على التعصب باتباع الهوى.
يقول الشاطبي رحمه الله:
وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية , حتى صار الخلاف في المسائل معدودا في حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظرا آخر، بل في غير ذلك، فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع , فيقال: لم تمنع والمسألة مختلف فيها، فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة , حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمدا وما ليس بحجة حجة. [1] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=39109#_ftn1)
وأهل العلم ذكروا أن الخلاف ليس دليلا شرعيا تثبت به الأحكام أو تنسف به الشريعة.
ولا يعني هذا أن العبيكان لم يذكر دليلا على كلامه , بل ذكر لكنه لم يرم به في وجه مخالفه كما فعل بوجود الخلاف , وإن كان ما ذكر من دليل عليه لا له.
وحسب البعض أن يعتقد ثم يستدل , لتصبح المسألة ليا للنصوص واختلاقا للأقوال , وضربا بالحقيقة ونصوصها عرض الحائط , وقد كان الأئمة رحمهم الله أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم يأمرون الناس أن يعرضوا قولهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , فإن وافقهما وإلا قالوا: اضربوا بقولنا عرض الحائط.
أما بعض المتأخرين فيقولون خذوا بأقوالنا اضربوا بنصوص الشريعة عرض الحائط إتباعا للهوى.
وقد تُعجز مثل هؤلاء الحيلة فينتحلون بعد ذلك صناعة التلفيق , ليفروا من وصفهم بالخروج عن المألوف وترك منهج الفقهاء في آرائهم ومؤلفاتهم , فيجعلون الاستدلال بأقوال أهل العلم - دون النصوص - عذرا في عدم نبذ قولهم , وقد ينطلي هذا على بعض الناس , ولهذا من أطرف ما قيل في مثل هذا الباب تلفيق بعض الشعراء في الأبيات المشهورة , حيث زعم أن أبا حنيفة أباح النبيذ , والشافعي قال: النبيذ والخمر شيء واحد , فلفق من القولين قولا , نتيجته إباحة الخمر , فقال:
أباح العراقيُّ النبيذ وشربه ... وقال الحرامان المدامة والسكر
وقال الحجازي الشرابان واحد ... فحلت لنا من بين قوليهما الخمر [2] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=39109#_ftn2)
وقد ذكر العبيكان أن قوله اجتهاد منه , كما ألمح في المقدمة حينما ذكر تعصب الآخرين دون احترامهم للاجتهاد المخالف , وهذا في الحقيقة خلط واضح , وذلك أن الاجتهاد إذا لم يعتمد على دليل صريح ثابت فإنه لا يعد كذلك , ولهذا لا يمكن أن يقال إن أهل البدع والأهواء مجتهدون لمجرد قولهم , إلا إن كان العبيكان يرى أن كل مجتهد مصيب ولو لم يكن معه دليل , فهذه مسألة أخرى محلها في غير هذا الموضع.
والواقع أن قول العبيكان ليس اجتهادا , بل هو مخالف للنصوص الصريحة الثابتة المانعة من النشرة كما في حديث جابر الأتي وغيره.
أما التساهل في الفتيا لمجرد وجود الخلاف فعند البعض باب مفتوح , بل بلغ ببعضهم الإفتاء بخلاف الإجماع بسبب ما عمت به البلوى في نظره , من ذلك ما كتبه بعض المغاربة حول تجويز مخالفة الإجماع في حلق اللحية لعموم البلوى بحلقها , ولأن عرف العامة هو الحلق وقد اعتادوا عليه , فقال:
ولما عمت البلوى بحلقها في البلاد المشرقية حتى إن كثيرًا من أهل الديانة قلد فيه غيره خوفًا من ضحك العامة منه، لاعتيادهم حلقها في عرفهم بحثت غاية البحث عن أصل أخرِّج عليه جواز حلقها حتى يكون لبعض الأفاضل مندوحة عن ارتكاب المحرم باتفاق. الخ كلامه.
وهذا القول حكايته تغني عن التدليل على بطلانه، فهو أقر باتفاق العلماء على حرمة حلق اللحية، ثم سعى إلى تخريج فاسد ترتب عليه نسف جميع الأوامر النبوية حيث جوز مخالفتها، لأنها تدل على الندب لا الوجوب كما يدعي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [3] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=39109#_ftn3) .
ولعل في قول ابن مفلح رحمه الله ما يكفي لتبيين المقصود , يقول رحمه الله: يحرم التساهل في الفتيا , واستفتاء من عرف بذلك. [4] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=39109#_ftn4)
(يُتْبَعُ)