وأنتم في واد آخر، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به"."
قال: إذًا نسجنك، فقال:"افعلوا ما بدا لكم". فأخذوه وسجنوه في خيمة، فكان يقرأ فيها القرآن ويَتَعَبَّد ويذكر الله تعالى.
وفي إحدى المرات كان الملك الصالح إسماعيل قد عقد اجتماعًا مع بعض زعماء النصارى الصليبيين، كان اجتماعهم قريبًا من العز بن عبد السلام بحيث يسمعون قراءته للقرآن، فقال: هل تسمعون هذا الذي يقرأ؟ قالوا: نعم. فقال متفاخرًا: هذا هو أكبر قساوسة المسلمين سَجَنَّاه؛ لأنه اعترض علينا في محالفتنا لكم، وتسليمنا لكم بعض الحصون والقلاع، واتفاقنا معكم على قتال المصريين.
فقال له ملوك النصارى: والله لو كان هذا القسيس عندنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقته (6( file:///D:/ مكتبتي%20العلمية/ mes%20sites/mon%20site%20web1/index.htm#_edn6 ) ) !
لو كان عندنا رجل بهذا الإخلاص للأمة وبهذه القوة، وبهذه الشجاعة لكُنَّا نغسل رجليه، ولشَرِبْنا الماء الذي غسلنا به رجليه، فأصيب الملك إسماعيل بالخيبة والذلِّ، وكانت هذه بداية هزيمته وفشله، وجاءت جنود المصريين، وانتصرت عليه وعلى من كانوا متحالفين معه من الصليبيين، وأفرجت عن الإمام العز بن عبد السلام.
هذا موقف صرّح فيه العز بن عبد السلام - رحمه الله - بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على رؤوس المنابر، ورأى أن هذا الذي يسعه، مع أنه كان يستطيع غير ذلك، ولكنه رأى أن هذا هو الأسلوب المناسب، خاصة أن الصليبيين في تلك الوقعة دخلوا شوارع دمشق ومدنها، وتجوَّلوا في أسواقها ودكاكينها، وكانوا يشترون الأسلحة من المسلمين؛ ولذلك وُجِّه إليه الاستفتاء: هل يجوز أن نبيع السلاح للنصارى؟
فأفتى - رحمه الله - بأن بيع السلاح إليهم لا يجوز؛ لأن من يبيعهم السلاح يعلم أنهم سوف يصوِّبون هذه الأسلحة إلى صدور المسلمين.
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وحيلتنا وهواننا على إخواننا.
(1) قلعة الشَّقِيف: قلعة حصينة جدًّا في كهف من الجبل، قرب بانياس من أرض دمشق. انظر: معجم البلدان (3/ 356) .
(2) صَفَد: مدينة في جبال عاملة المطلَّة على حمص بالشام، وهي من جبال لبنان. انظر: معجم البلدان (3/ 412) .
(3) قال ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية (2/ 110) : ولي الخطابة بدمشق فأزال كثيرًا من بدع الخطباء، ولم يلبس سوادًا ولا سجع خطبته؛ بل كان يقولها مسترسلًا، واجتنب الثناء على الملوك بل كان يدعو لهم". اهـ."
(4) انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (8/ 243) .
(5) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 110) ، وقد شارك العز بن عبد السلام علماء آخرين في الإنكار على الملك الصالح إسماعيل من هؤلاء أبو عمرو
ابن الحاجب شيخ المالكية، حيث اشتدّ ابن الحاجب في الإنكار على الملك فاعتقله الملك مدة ثم أطلقه وألزمه بيته. انظر: البداية والنهاية (17/ 251، 300) .
(6) انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (8/ 243) .
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وحيلتنا وهواننا على إخواننا.